ليس من السهل دائمًا أن أشرح ما هو التقطير; ما يحدث في الوعاء النحاسي الكبير في الظلام وهو يغلي. من الأصعب أن تصف الكلمات طعم ورائحة السائل الشفاف الذي يخرج منه.
في كل مرة أردت فيها شرح عملية التقطير وتأثيرها على نكهات وروائح المنتج النهائي، المستخلص الكحولي، اعتدت استخدام مفهوم مقتبس عن مجال فن النحت: جهاز التقطير هو النحات، عملية التقطير هي النحت، والمنتج النهائي هو المنحوتة، التمثال.
رأيت بهذه صورة ذكية يسهل تفسيرها: على عكس صانع النبيذ، الذي يصف المنتج وسيرورته كلوحة، يشبه التقطير سيرورة النحت: حيث أن المقطر يتخلص من الطبقات التي لا يرغب بها، كالجزيئات والروائح، من المادة الخام التي يتسخدمها، ليتوصل إلى تحفته بجدٍ وعمل وموهبة.
لكني، ومع مرور الوقت، وعندما بدأت أقضي المزيد من الوقت في غرفة البراميل وتذوق المزيد والمزيد من نواتج التقطير المعتقة، أدركت أن هذه الصورة ليست دقيقة تمامًا، حيث أن التماثيل المصنوعة من الحجر أو المعدن، أو الخشب حتى، بالكاد تتغير على مر السنين، قد تصاب بالصدأ أو العفن الفطري ربما، لكن سمات النحت تظل سليمة إلى الأبد تقريبًا.
“المشروبات الكحولية مثلنا تمامًا لا تنفّك منذ ولادتها عن التغيّر، حتى تصل لمرحلة النضج وتبدأ بزحف بطيء نحو نهايتها المحددة مسبقًا.”
يوفال هارجيل
على عكسها، تستمر المشروبات الكحولية بتغيير شكلها: مشروب تعتّق في البرميل لن يكون مشابهًا لما كان عليه في بداية رحلته. كلما تعمقنا بذلك كلما أدركنا أن التشبيه الصحيح ليس لتمثال بل لإنسان; المشروبات الكحولية مثلنا تمامًا لا تنفّك منذ ولادتها عن التغيّر، حتى تصل لمرحلة النضج وتبدأ بزحف بطيء نحو نهايتها المحددة مسبقًا.
كيف يولد الطعم والرائحة؟
عند الحديث عن تغير طبيعة المشروب بمرور الوقت نتطرق لثلاثة عوامل: الطعم، الرائحة، والقوام. لون السائل وكثافته تتغيرأيضًا مع الوقت لكن لا أهمية لذلك عدا عن العامل الجمالي. تعلمت مع الوقت أن المشروبات كالبشر، لا أهمية أو معنى للونها.

يطرَح السؤال (الأسئلة) إذًا، ما هي المواد التي تمنح المشروبات مذاقها ورائحتها وقوامها الفريد؟ ما الفرق بين النكهات والروائح؟ لماذا يتغير الطعم والرائحة والقوام مع الوقت؟ والسؤال الأهم: كم من الوقت تحتاج عناصر الرائحة والنكهة لتؤدي بالمشروب لذروته الفنية؟
حاول آلاف المقطرين والخلاطين وصانعي العطور وعلماء النكهات والباحثين في مجال الروائح الإجابة على هذه الأسئلة. كتِبَت آلاف الدراسات، منذ أيام التقطير الأولى، في عصر كبار الكيميائيين العرب في القرن التاسع الميلادي، وحتى هذه اللحظة تحديدًا، بينما أكتب وبيدي كأس براندي معطر يبلغ من العمر 8 سنوات. تتمتع المشروبات الكحولية بالصبر والوقت الذي لا يملك منه البشر الكثير. قد يكون هذا هو الفرق الأساسي بين البشر والمشروبات. سأحاول لذلك تلخيص، أو استخلاص، الإجابات القليلة على هذه الأسئلة الكبيرة والمركبة.
ما نقصده عند الحديث عن الروائح هو منظومة كاملة من الفهم والتحليل يستنشق فيها الأنف جزيئات تمر في تجويفه حتى تصل المستقبلات الشمية ومن ثم البصلة الشمّية في الدماغ. المستقبلات الشمية لدى شخص يتمتع بحاسة شم سليمة قادرة على التعرّف على ملايين الجزيئات من الروائح – وهو عدد هائل منها. يحتوي المشروب النموذجي على مئات الأنواع من جزيئات الرائحة من عائلات مختلفة وبتركيبات مختلفة. هذا كثير أيضًا. عادة ما يقوم المحترفون بتقسيم العطور في المشروبات إلى ثلاث عائلات كيميائية رئيسية: الإسترات والكيتونات والألدهيدات. المحترفون الذين يرغبون في جعل تمييزاتهم في متناول عامة الناس، عادةً ما يقسمون عالم الروائح الاحترافية إلى ثماني فئات تواصلية أخرى: الفواكه، الأزهار، الأعشاب، الخشب، الخبز/الألبان (الخميرة، الخبز، الزبدة)، التوابل، وأخيرًا، المعدنية والحيوانية (آه، الأسفلت الساخن وعرق الخيل! كم أحب هذه الفئات). بطبيعة الحال، لكل فئة من هذه الفئات مئات الفئات الفرعية.
حاسة الشم، أكثر الحواس المرتبطة بالذاكرة، أكثر تعقيدًا من حاسة الذوق التي تتلقى المعلومات من آلاف الحليمات، أو النتوءات، التي تتواجد على اللسان وباطن الفم، متخصصة في التعرف على المواد المختلفة التي تترجمها إلى ما نطلق عليه اسم “نكهات”: ستفسَّر الأملاح على أن لها طعم مالح، والأحماض بأن لها طعم حامض، السكريات على أنها حلوة، والجزيئات المختلفة مثل شبه القلويات (الكالويد) والعفص (التانين) على أنها مرة، بينما ستمنح أحماض الجلوتاميك شعورًا بالأومامي، وقد تتعرف بعض الحلَيمات على الجزيئات الدهنية. نعم، الدهون هي نكهة أيضا. كما أن جميع أجزاء اللسان وتجويف الفم قادرة على اكتشاف الجزيئات الحارقة كالكابسيسين، المادة النشطة في الفلفل الحار.
“عندما ننظم أمسيات تذوق احترافية، كثيرًا ما نسمع أوصافًا مثل “ملح البحر”، “معدني”، “حلو”، “مر”، وكذلك “دهني” وحتى “هش” و- “بعلك”. كيف تصل كل هذه النكهات والقوامات، التي لم تكن موجودة فيه في البداية، إلى المشروب؟”
يوفال هارجيل
يحتوي السائل الكحولي، عند انبعاثه من المكثف الحراري لوعاء جهاز التقطير، على آلاف الجزيئات المختلفة التي مصدرها بالمكونات الأصلية، معظمها مسؤولة عن رائحته، والأقلية منها فقط مسؤولة عن مذاقه. السبب لذلك هو أن الروائح متطايرة بطبيعتها، وبالتالي فهي تحفظ جيدًا في عملية التقطير، في حين أن مركبات النكهة مثل الأملاح والمعادن، وكذلك العفص، تكون “ثقيلة” جدًا بحيث لا يمكنها “أن تصمد” خلال عمليات التبخر والتكثيف، أي أنها لا تصل نواتج التقطير النهائية. نظريًا، فإن التقطيرات الكحولية، كالماء المقطر تمامًا، عديمة النكهة. لكن كل من يشرب يعرف أن للمشروبات، خاصة المعتقة منها، نكهة. عندما ننظم أمسيات تذوق احترافية، كثيرًا ما نسمع أوصافًا مثل “ملح البحر”، “معدني”، “حلو”، “مر”، وكذلك “دهني” وحتى “هش” و- “بعلك”. كيف تصل كل هذه النكهات والقوامات، التي لم تكن موجودة فيه في البداية، إلى المشروب؟
التعتق والبلوغ

هنا نصل إلى المرحلة الأكثر إثارة في حياة المشروب; مرحلة البلوغ التي تتلاشى فيها النكهات “المولدنة” و- “الوحشية” لتحل محلها نكهات وأطعمة أكثر رزانة. إن أردنا الاستمرار بتشبيه نواتج التقطير الكحولية بالإنسان، يمكننا القول أن المشروب أيضًا يصل سن النضج في مرحلة ما. كما يكتب الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، لا يدل هذا على الكمال بالضرورة، بل على تصالح وحرية داخلية. تظهر النكهات والروائح التي يكتسبها المشروب على طول الخط الزمني نتيجة ثلاثة أحداث متواصلة ومؤثرة.
الأول هو اللقاء بالماء. يولد المقطر الكحولي بتركيز 70-94٪ كحول لكن عادة ما يعتَّق بتركيز أقل. يتم تخفيض التركيز الكحولي عن طريق خلطه بالماء. يحتوي الماء على معادن مختلفة تؤثر على طعم المشروب النهائي. لا يحصل هذا التأثير بشكل بسيط وهو لا يقتصر على مرحلة المزج فقط، بل تمتد على فترة طويلة تستمر خلالها التفاعلات بين جزيئات وأيونات المعادن في الماء وبين جزيئات المقطر الأساسي. ينتج عن هذه التفاعلات نكهات وروائح جديدة لم تكن موجودة من قبل.
الثاني هو اللقاء بوعاء التعتيق. أكثر الأوعية تأثيرًا على جودة المشروب هي البراميل الخشبية. تفرز الألواح الخشبية التي تلامس السائل مركبات ومواد مختلفة، كالتانين (العفص)، الليغنين، الفانيلين، الجلسرين، وغيرها. غالبية هذه المواد غنية بالنكهات، خاصة في فئة الطعم المر والحلو والدهني. الجميل في البراميل هو أن كل برميل مميز ويختلف عن الآخر. موقع الغابة، نوع الخشب، صانع البراميل، وتجفيف وحرق العوارض تؤثر على طابع البرميل النهائية. ليس البراميل الخشبية وحدها تؤثر على المشروبات، بل الزجاج أيضًا (لسماحه بتسرب الضوء)، وكذلك الخزف والنحاس والبلاستيك حتى.
العامل الثالث هو الأكسجين. على عكس المشروبات الأخرى، تحب المشروبات الكحولية القوية الأكسجين. على خلاف أغلب أنواع النبيذ، عندما ينخفض مستوى السائل في البرميل المستخدم لتعتيق المقطر الكحولي (بسبب التبخر الطبيعي)، لا نستبدل السائل المفقود. حجم الهواء، الآخذ بالتزايد داخل البرميل، ضروري لتسريع معدل أكسدة السائل، وهي العملية التي تغير نكهاته ورائحته. بالإضافة إلى أن التبخر المكثف يسفر عن تأثير مشابه لتبخر المرق بواسطة تركه يغلي على الغاز. يصبح السائل أكثر سمكًا ولزوجة. قد تكون الخواص اللزجة هذه هي ما يميز المشروبات المعتقة كما يجب عن المشروبات “المولدنة”.
العصر الذهبي

عندما نبدأ بفهم التأثير الهائل الذي تخلفه كل هذه العمليات المعقدة على نكهة ورائحة المشروبات الكحولية، يطرَح السؤال: لماذا يفضل معظم الناس المشروبات المعتقة على المشروبات “الجديدة”؟
مع كل كأس براندي قديم أشربه، تزداد قناعتي بأن الإجابة كامنة في عامل التطور والارتقاء، حيث أن لاوعينا يرى بالروائح والنكهات الناضجة أكثر أماناً للاستهلاك. الأجبان واللحوم والأسماك، على سبيل المثال، قد تكون خطرة للاستهلاك طازجة و- “رطبة” إن كانت محفوظة في ظروف غير مراقَبة، لكن حفظها أو تجفيفها، يتيح تناولها والاستمتاع بها على مدى سنوات. تعلمنا على مدى التاريخ البشري أن نقدر النكهات الناتجة عن تعتيق مطول. ينطبق الشيء نفسه على الكحول أيضًا; لاوعينا يرى بالمشروبات المعتقة أكثر أماناً، ولذلك، ألّذ. هل يعني هذا أن المشروبات الجديدة لا تستطيع أن تكون ممتعة ومثيرة؟ دعوني أخرج بعض القناني الجديدة لأثبت لكم أنها قد تكون كذلك.