كفتة وكرات لحم وكِبَب كثيرة تطهَى في الحِلَل والقدور في جميع أنحاء البلاد تلتَّف في قصص عديدة، مسارات هجرة وعلاقات; كرات لحم بالمرقة، كفتة مقلية في خبز الحالا، كِبب في شطائر في أكشاك الطعام السريع. كِبَب وكرات لحم ساخنة وأخرى باردة بايتة ترسل تحيات قِدر بقِيَت وحيدة في البراد; كفتة وكِبَب تتنقل بعلب بلاستيك من مكان إلى آخر; كِبَب تشتاق، كرات لحم تتذكر.
تبدأ قصة كِبب وكفتات راحيل وإستر أوحايون التائهة في ربيع 1958، بعد عام ونصف من قدومهما، إلى كريات شمونة، حيث هاجرت الأسرة بأكملها من الصويرة (موغادور) الجميلة في المغرب التي بإمكان النوارس السمينة المحلقة في سمائها رواية القصص عن أسماك المحيط الأطلسي الرائعة.
“كنت جندية، بعد ما طبقت الـ 18 بشوي،” تخبرني راحيل بلكنة فرنسية، “وأختي إستر، إلي كانت أصغر مني بشوي، وافقت تيجي معي على بيكنيك بمحمية دان مع أكمّ شاب من كريات شمونة والكيبوتسات في المنطقة. كلهن كانوا طيارين وضباط، نخبة الأشكناز. كنت يا دوب أعرف أحكي عبراني بس كنت حلوة حلوة وشعري طولي. فرشنا بطانية والكل حطّوا عليها الأكل الي جابوه، معلبات ذرة وخيار مكبوس. وإحنا طلّعنا الأكل الي إمي عملتلنا اياه: ساندويشات كفتة بمرقة حمرا، الي الكل بحبها اليوم”.
“واحد منهم فتح السندويشات، شمشمها وقال “قراااف” باشمئزاز وسأل مين الي جابها. مَتفَّوهتش بولا حرف. [تتصوريش] شو كنت مستحية. كان واضح إنه المهاجرة هي الي جابت هذا “القرف”. إستر كمان ضلّت ساكتة وهو زت الساندويشات بالنهر. سنين وأنا أوكل بحالي ليش أخليه يزت ساندويشات إمي الّي بتشّهي بالنهر هيك، ليش ماعتضرتش. طول حياتي وأنا أطلب من إمي السماح. أنا وأختي أكلنا معلقة ذرة ونتشتين من الخيار. كانت طعمتها مقززة”.
استغرق الأمر بضع سنوات أخرى حتى تقبّلت أفواه المحليين، وأدركت، روعة الكبَب وكرات اللحم التي اصطحبها معهم المهاجرين من البلدان الإسلامية، ولتدحض هذه كرات اللحم المقلية المخلوطة بفتات الخبز التي كانت شائعة في المطابخ المحلية التي كان هدفها البحث عن طرق رخيصة لإطعام أكبر عدد ممكن من الأفواه باللحوم.
“من الشائع تحضير كرات اللحم والكِبَب من لحم مهروس مخلوط بخبز منقوع بالبيض وبصل مقلي” كتبت آرنا ماير في كتابها كيف نطبخ في أرض إسرائيل الذي صدر عام 1937، “لكن قليلون هم من يعرفون أن من الممكن تحضير كِبَب ممتازة دون لحم حتى، باستخدام رقائق الشوفان: 150 جرام من رقائق الشوفان، 1/2 لتر من الحليب أو الماء، 3-4 بيضات، ملح، وأعشاب. يمكنك أيضا إضافة البصل أيضًا. نقتطع أقراصًا من الخليط بواسطة ملعقة ونخبزها مع الكثير من الزيت – إضافة صحية ولذيذة للخضروات والسلطة”

الاحتفاء بفكرة التخفيض والتوفير كان سِمة جميع كتب الطعام التي صدرت في ذلك الوقت. في عالم خلفته الحرب العالمية الثانية واستمر ليخضع لنظام تقشف بن جوريون، بحثوا عن الشبع من الفتات واعتمدوا على استخدام نوع أو اثنين من الخضار بالإضافة إلى النشويات والدهون. “لذة” التوفير هي أساس وصفات كرات اللحم التي تألقت في مطابخ الكيبوتس التي فاقت كميات الخبز فيها كمية البروتين; كِبب وأقراص كانت تقدَّم ساخنة للأطفال في الظهيرة وتستمر لزواويد اليوم التالي عندما تبرد. كرات لحم مصنوعة من العِجل أو الدجاج مغطاة بفتات الخبز، مقرمشة من الخارج، طرية من الداخل، ورغم أن في الكيبوتس لدينا كانت تصنعها امرأة مختلفة كل مرة، إلا أن لجميعها كان الحجم نفسه، والشكل نفسه، والطعم نفسه.
على عكس الهامبرغر الذي من غير الممكن الاستمتاع به إن لم يكن ساخنًا، تستجيب الكِبَب وكرات اللحم جيدًا للبرد، حيث كانت ترسَل في صناديق تبريد مع الأطفال في رحلات يوم الجمعة إلى البحر. كانت المعلمات تضعن الطعام على شرشف بلاستيكي: خيار مكبوس، حمص معلب، مدهونات نباتية، شرائح الخيار، وكرات اللحم – “ديرو بالكو لتتوسَّخ برمال”، كنّ تنبهننا. لكنها كانت تتسّخ، من أيدينا أو مما كانت تتناقله الرياح القوية على الشاطئ.
كنت أحب تناولها في نزهات المدرسة إلى البحر والرحلات مع والدي في الجبل أو الحرش. كنا نجلس حول طاولة خشبية وكانت أمي تخرجها من المبرد الأحمر وتضعها بين شرائح الحالاه. كان أبي يعصر الخردل على أقراص اللحم من أنبوب وكانت أمي تقول له إنه يبالغ بالخردل، كان يجيبها أنها مخطئة، وكانت “تكشر” بوجهه وتطالبه بألّأ يتحدث إليها بهذه الطريقة بينما كنت أنا أفتت صفار بيضة مسلوقة عليها. كم كنت أحب هذا الساندويش وتناوله مع العائلة سوية.
“تحطيش نشويات بالكفتة”، اعتادت جدتي القول، “النشويات بتمصّ الطعمة من اللحمة”. قدم جدي وجدتي إلى القدس من الدار البيضاء عام 1949، ومثلها مثل كل المهاجرين من البلدان الإسلامية، كانت الكفتة وكرات اللحم جوهرة مطبخها: كفتة بلحم البقر أو السمك، كفتة ربيعية، كفتة بالمرقة الصفراء أو الحمراء، مثل كرات لحم راحيل وإستر التائهة.
كانت جدتي طباخة رائعة أتقنت، بطرقها الخاصة، استبدال كل ما لم يكن متوفرًا في البلد الجديد: قشر الليمون الذي كانت تبرشه في خلطات اللحم لاستبدال عطر الزعفران وجوزة الطيب. كانت لجدتي قواعد صارمة وواضحة فيما يتعلق بالكِبَب والكفتة: تخافيش من الزيت لأنه سر النكهة، إطحني اللحمة بإيدك بالبيت لأنه العالم مليان أمراض، وتحكيش لحدا عن المكونات الي بتستخدميها لأنها سر قوة المرأة وعائلتها.
“حجم الكفتة بطلع ع حجم الإيد الي بتدحبرها”; لجميع النساء في عائلتي، من الطرف المغربي، أيدٍ صغيرة صغيرة. أيدٍ قوية ذكية لكنها تبدو كأيدي البنات الصغيرات: أيدي أمي، أيدي ماما ميما (جدة أمي) التي توفيت عن عمر يناهز المائة. حتى ابنتي ألما لها أيدٍ صغيرة تستقطع كرات وأقراص صغيرة، كجداتها، ومثلهن تحرص من تحضيرها على نار هادئة، حتى لا تثور الماء وتجَّنّ القدر وتتفتت كرات اللحم ومعها البيت والذكريات التي تحملها.