غلاف الكتاب. تصوير: دان بيرتس | ستايلينج: نوريت كاريف
غلاف الكتاب. تصوير: دان بيرتس | ستايلينج: نوريت كاريف

طفّي شموع العيد – عن كتاب “كعكات عيد الميلاد” الذي أحدث ثورة باحتفالات أعياد ميلاد الأطفال في إسرائيل

“عوجوت يوم هوليدت” (كعكات عيد الميلاد)، لجوزي مندلسون، منح الأطفال الإسرائيليين، على مدى عقود، كعكات مميزة على شكل صندوق كنز، قطارات، دمى، وحيوانات. بحث متعمق في تاريخ الكتاب يكشف عن أن مصدره من وراء البحار.

عيريت ناركيس كاتس |

تطورت في الثمانينيات والتسعينيات في إسرائيل طقوس عائلية خاصة، حيث اعتاد الأطفال، قبل كل حفلة عيد ميلاد، تصفح كتاب جوزي مندلسون “كعكات عيد الميلاد” بحماس متأملين صور الكعكات الرائعة على شكل حيوانات وسيارات وشاحنات مزينة بالملبّس والمارشميلو وأعواد السوس.
قد تكون حفلات عيد الميلاد الحدث السنوي الأبرز في حياة كل طفل ومعها الكشف عن الكعكة; خاصة إذا كانت مستوحاة من هذا الكتاب الذي يرى به الكثير من الإسرائيليين جزءًا من الذكريات الجماعية، سواء كانت جميلة، محبطة أو حزينة.

كعكة القطار السريع. تصوير: دان بيرتس | ستايلينج: نوريت كاريف
كعكة القطار السريع. تصوير: دان بيرتس | ستايلينج: نوريت كاريف

كعكة مصدرها بديناصور
نشأ الكتاب في أستراليا، حيث يعتبَر عملًا كلاسيكيَا مشهورًا: في وقت ما في السبعينيات، طلِب من باميلا كلارك، صحافية طعام بارزة في مجلة Australian Women’s Weekly، تحضير كعكة على شكل ديناصور لعيد ميلاد ابن جيرانها. لفتت صورة الكعكة انتباه زملائها في المكتب، حتى كلِّفَت في النهاية بكتابة كتاب يتناول تحضير “كعكات عيد الميلاد”. صدر كتاب كلارك، “The Australian Women’s Weekly Children’s Birthday Cake Book”، في العام 1980، وأثار ضجة كبيرة في أستراليا، حيث بيعت منه أكثر من مليون نسخة ما بين إصداره الأول وإعادة إصداره في العام 2011. 
من المثير أن الكتاب الأسترالي ما زال يحتل مكانة مركزية في الثقافة المحلية – حتى بعد مرور أربعة عقود على نشره، حيث يُشار إليه في عروض الستانداب، يظهر في المعارض، وكان مؤخرًا مصدر إلهام لحلقة في مسلسل الأطفال الأسترالي المحبوب “Bluey” (الذي يروي قصة عائلة من الكلاب في حلقات تبلغ مدتها 7 دقائق ويتناول الجوانب المختلفة للوالدية)، تختار فيها بينجو، شقيقة بلوي الصغرى، كعكة من الكتاب على شكل بطة. بعد أن فشلت في صنع كعكة على شكل مهرج في العام السابق، تكلف الأم المهمة للأب الذي يحاول صنعها بينما يحاول إقناع بلوي بتنظيف الصالون. رغم صناعته لكعكة لا تشبه البطة بتاتًا – بينجو سعيدة بالنتيجة.

ناتالي، نعومي، وروتي
نشِر كتاب مندلسون في العام 1983 في دار آدم للنشر، وتضمّن وصفات جديدة وأخرى مأخوذة من الكتاب الأسترالي، بينما عدِّل البعض منها ليناسب الثقافة المحلية. وهكذا، أصبحت كعكة “دوللي فاردن” كعكة “ناتالي”، وأصبحت كعكة الباليرينا كعكة “نعومي” (على اسم ابنة مندلسون)، بينما أصبحت كعكة “ماري جين” كعكة “روتي”، هذا بالإضافة إلى أسماء أخرى مأخوذة من برامج وقصص أطفال محلية. لم يشمل كتاب مندلسون وصفة كعكة البطة، من حلقة Bluey، لصعوبة تحضيرها على ما يبدو. 
أصبحت للكتاب مكانة مميزة في العديد من البيوت الإسرائيلية في الثمانينيات والتسعينيات، ويبدو، عند الاطلاع على مجموعات أمهات وطبخ مختلفة على فيسبوك، أنه ما زال رائجًا حتى اليوم وأن العديد من العائلات ما زالت تحضّر الكعكات الواردة فيه. 

ג'וזי מנדלסון ועוגת אונייה
جوزي مندلسون مع كعكة الباخرة. تصوير: العائلة

مندلسون ما زالت مندهشة من الأمر وتقول أنها تسمع المزيد والمزيد من القصص عن الكتاب وكعكاته، حتى بعد مرور 41 عامًا.
“لما كانوا بناتي زغار عملت كل كعكة بالكتاب”، تقول عوفرا مشعل (64 عامًا) من بيتح تكفا، “الوصفات كانت كثير سهلة وكنت ألعب بالمقادير، مثلًا كنت أستعمل كريمة مخفوقة مع صبغة طعام بدل كريمة الزبدة”. قامت مشعل مؤخرًا بصنع كعكة “السباق” لحفيدها البالغ من العمر ثلاث سنوات “أنا ورفائيل تصفحنا الكتاب وهو اختار الكعكة الي عجبته،” تقول، “الولد انبسط من إنه التيتا بتعمله كعكة إله خصوصي، ومش من الكعكة نفسها”.

أمهات وآباء يطبخون معًا
نلحظ في إسرائيل قفزات كبيرة في مجال الطهي كل عشر سنوات تقريبًا. في العام 1975، أي قبل نشر كتاب مندلسون بثماني سنوات، صدر كتاب روتي سيركيس، “من المطبخ مع كل الحب”، وأصبح أكثر كتب الطبخ المحلية مبيعًا، حيث أنه فتح عيون وعقول  العديد من الإسرائيليين على أطعمة جديدة بالإضافة إلى كونه كتابًا ملونًا احتوى على وصفات مفصلة. لكن، ورغم ثوريته، كان “من المطبخ مع كل الحب” مكتوبًا بصيغة المؤنث، كما كان معتادًا في كتب الطبخ آنذاك، حيث كان من المفترض أن تكون النساء هن القارئات الحصريات لهذا النوع من الكتب.
لكن “كعكات عيد الميلاد”، بالمقابل، كان مكتوبًا بصيغة الجمع وتوجه للجميع. مثلًا، “رجل مشغول يحب دخول المطبخ أحيانًا”، و- “امرأة بوظيفة كاملة مع ساعات عمل إضافية”، و- “ربة منزل مشغولة للغاية”.
لم تقتصر هذه الشمولية على مخاطبة الأمهات والآباء فحسب؛ بل ولجمهور الهدف أيضًا، أي الأطفال. في حين احتوى الكتاب الأسترالي على فصول كانت مخصصة للـ “الأولاد” احتوت على كعكات على شكل سفن فضائية وقراصنة وسيارات سباق، وفصول للـ”البنات” احتوت على كعكات على شكل آلات خياطة ودمى، تجنبت النسخة الإسرائيلية الأدوار الجندرية، ومنحت كل طفل حرية اختيار الكعكة التي رغب بها.
كان الكتاب مبتكرًا في مشهد الطهي الإسرائيلي مفاهيميًا أيضًا: رغم أنه لم يكن أول كتاب كعكات يُنشر في إسرائيل، لكنه كان أول كتاب خصِّص لكعكات فاخرة وصعبة الصنع لمناسبات تخص الأطفال; كبوابة سرية إلى عالم خيالي خاص، جعل من أعياد الميلاد يومًا تتحقق فيه الأحلام يبدو فيها الوالدين، بنظر الأطفال، قادرين على تحقيق وصنع أي شيء – حتى الكعكة الأكثر تعقيدًا في الكتاب.

עגת כדור פורח
كعكة المنطاد. تصوير: جوزي مندلسون

كعكة كريما على الطريقة الإسرائيلية
لم تكن مندلسون المسؤولة الوحيدة عن جلب الكتاب إلى إسرائيل، حيث لعب الناشر يهودا ملتسر دورًا مهمًا بذلك أيضًا. “مكنتش دار النشر تبعتنا تصدر كتب طبخ”، يقول، “كنا ننشر كتب فلسفة أو كتب أطفال كلاسيكية. بس التزمنا بتنفيذ الأمر حتى النهاية، بغض النظر عن النتيجة”، ويضيف، “قادت جوزي المشروع بأكمله”.
تتذكر مندلسون الأمر بطريقة مختلفة بعض الشيء: “ولا مرة فكرت إنه الخبز والكعك تبعي أكثر من مجرد هواية،” تقول، “كانت الكعكات المزخرفة في إسرائيل نادرة في هذا الوقت وكنت أنا أحضّر الكعك لأطفالي وأصدقائي من كتاب أسترالي. بيوم من الأيام عملت كعكة لبنت يهودا ملتسر، وساعتها زوجته اقترحت، “ليش ما بتنشر كتاب طبخ من تأليف جوزي؟” فكرتها بتمزح، لأني مديرة روضة أطفال”. عرضت مندلسون على ملتسر صور كعكات من صنعها والكتاب الأسترالي ليكون مصدر إلهام له ليوافق على الأمر، كما تتذكر.
لم تكتفِ مندلسون بتعديل الوصفات لتناسب الجمهور الإسرائيلي، بل وأدخلت عليها تغييرات كبيرة أيضًا، مثل تقليص عدد الكعكات من 106 كعكة في الكتاب الأسترالي إلى 60 كعكة، تعديل الوصفات، وتطوير جزء من وصفاتها الخاصة، مثل كعكة المنطاد الظاهرة على غلاف الكتاب، وتضمين محتويات تقتصر على مكونات كانت متوفرة في إسرائيل آنذاك، بالإضافة إلى كتابتها للمقدمة.
لكن مسألة التصوير اتضّحت على أنها أمر صعب: “مكنوش يطبعوا كتب صور ملونة في إسرائيل في هذاك الوقت،” تقول، “بيوم من الأيام الناشر أعلن إنه أرخصله يشتري الصور من الناشر الأسترالي. شعرت بالإحباط لأني حسيت إنهم عم يوخذو كتابي مني. الفكرة كانت فكرتي، وفجأة الصور منسوخة ومش أصلية. بالآخر اتفقنا إنه يتضمن الكتاب صور لكعكاتي أنا كمان”.

كعكة القطار السريع. تصوير: دان بيرتس | ستايلينج: نوريت كاريف
كعكة القطار السريع. تصوير: دان بيرتس | ستايلينج: نوريت كاريف

ساعدهم هذا في معالجة مشكلات نتجت عن بعض الصور الأصلية “كان في كعكة كرة قدم على شكل كرة رجبي وعشان هيك كان لازم نعمل كعكة كرة قدم.”، يقول ملتسر، “بعدين شفت إنه في كعكة كريسماس بس إحنا كان لازمنا كعكة حانوكا. كان لازم ننتج نسخ اسرائيلية لكل هاي الأمور – ساعتها أخذنا مصمم وتساعدنا بنيلي شيفر، مصورة طعام بارزة في هذاك الوقت. طبعًا جوزي استثمرت قلبها وروحها بالمشروع – وعشان هيك نجح”. 
ابتعدت مندلسون عن الكتاب في السنوات التي تلت إصداره بسبب تجربة الإنتاج الصعبة، عن اللحظة التي تغير فيها ذلك تقول: “كنت أشتغل في مؤسسة كاريف لما فتحوا المحطة المركزية الجديدة، وكان عنا ورشة لاكتشاف الذات للنساء. طلبوا منا نتقسم لمجموعات ونلاقي إشي في المركز التجاري بتربطه علاقة شخصية بكل واحدة منا. لما فتنا ع دكانة الكتب، “ستيماتسكي”، لاقت وحدة من أعضاء المجموعة الكتاب وأنا انصدمت. كل وحدة فيهن صارت تحكي عن علاقتها بالكتاب ولما أجا دوري أنا سألوني، “جوزي، بتعرفي هذا الكتاب؟” كلهن استغربوا لما قلتلهن إنه أنا جوزي مندلسون. اشتروا الكتاب وجابوه معهن عورشة العمل الي شاركت فيها 25 امرأة بقصصهن الشخصية. لما شفت مدى تأثير الكتاب – تغير موقفي تمامًا”.
تلقت مندلسون على مر السنين قصصًا كثيرة عن آلاف الأطفال وكعكاتهم، كذلك من عائلتها هي. “إبني طلع دييت مع بنت راح معها على السوبر ماركت بشي يوم، أخذته لقسم الكعك وقالتله “هذا مكاني المفضل”، وحكتله إنه وهي زغيرة، لما كانوا أبوها وأمها يتغاوشوا، كانت هي وأخوها يتخبوا تحت التخت ويتصفحوا كتاب الكعك”، تقول جوزي. 

עוגת מרוץ מכוניות.
كعكة سباق السيارات. تصوير: جوزي مندلسون

“يبدو هذا كضرب من ضروب الجنون”
يثير تصفح الكتاب اليوم، في العام 2024، مزيجًا من المشاعر. صحيح أننا أصبحنا نحب الموضات الجديدة، خاصة في الطهي، لكن، وعلى عكس الموضات على إنستغرام، تروي كعكات هذا الكتاب قصة مختلفة. قد تبدو بعضها صعبة، أو مستحيلة الصنع حتى، للوهلة الأولى، لكن عند الإمعان بها يسهل الانتباه إلى أنها ليست “مثالية” وأن ليس من المستحيل صنعها. في عصر غالبًا ما يتم الاستعانة فيه بمصادر خارجية لصنع كعكات أعياد الميلاد المتقنة، تعود هذه الكعكات بنا إلى زمن ساذج وبريء. “زمان، كان الكل يقدّر كل كعكة”، تتذكر مشعل، “كانت كل كعكة “واو”، وبناتي لليوم بقدروش يوقفوا يحكو عنهن. اليوم، الكعكات الـ “واو” هي إشي مفروغ منه، على الأقل عند الكبار”.
تثير الكعكات على شكل دببة أو دمى أو بالونات شعورًا بالبساطة والطمأنينة. حتى عند تصفح مجموعة الفيسبوك المخصصة للكتاب الأسترالي، سيكون بإمكانك ملاحظة أن العديد من هذه الكعكات ليست متقَنة تمامًا. مع ذلك، فإن هذا ما يضفي على الكعكات سحرها، حيث أنها تعكس الشعور بالألفة والحب، وتبدو أحيانًا فوضوية بعض الشيء، على عكس الكعكات المصنوعة بدقة متناهية من عجينة السكر والمزينة بورق الذهب.
ترى مندلسون (التي تبدأ الكتاب بجملة “يبدو هذا كضرب من ضروب الجنون”) بالوصفات مجرد اقتراحات، وتشجع الابتعاد عن التعليمات، وتشدد على متعة إجراء تغييرات بالوصفة، لتحررنا من قوانين وقواعد الخَبز التقليدي الصارمة. خلاصة الكتاب هي أن الكعكات مغامرات عائلية ممتعة وملونة.