كفتة الكراث، ومصدرها من سالونيك في اليونان، التي اعتادت جدتي إستر تحضيرها من الأجزاء الخضراء والبيضاء من الكراث دون لحم، هي أشهى وجبة في العالم (بحسب رأيي، على الأقل). قد يقول الكثير من الإسرائيليين الشيء نفسه عن الكفتة وكرات اللحم التي تناولوها في طفولتهم، ما يمنح هذه الأطباق لذاذة وقيمة شخصية وعاطفية.
الكلمة العبرية للكفتة، أو الفطائر، أو الكِبَب هي “كتسيتسوت”، وهو مصطلح واسع النطاق يشمل الفطائر، الكفتة، وكرات اللحم حتى.
لهذا الطبق تاريخ مبهم، مثل تعريفه: يدعي البعض أن الرومان كانوا أول من ابتكر كرات اللحم كطريقة لاستغلال بقايا اللحوم. تنص وصفة من كتاب طبخ روماني من القرن الخامس للميلاد على خلط فتات الخبز والأعشاب والتوابل في اللحم، كما نصنع الكفتة (أو الكباب) اليوم. ظهرت كرات اللحم في مناطق إمبراطورية فارس في الوقت نفسه تقريبًا، وتطورت مع الوقت لتصبح الكفتة المألوفة لنا من مناطق تركيا والشرق الأوسط، والتي تحتوي على البصل وفتات الخبز والبيض والأعشاب (البقدونس أساسًا).
مطابخ يهودية-إسرائيلية كثيرة مصدرها بمجتمعات مختلفة في الشتات تحضّر مجموعات متنوعة من الكفتة والكِبَب والأقراص: الكعابر التونسية الرائعة التي تقدَّم مع صلصة الطماطم بين طبقتين من البطاطا تذكرنا بالمفروم الذي يقدمه جيرانهم من طرابلس; الكلوبس، الكفتة الأشكنازية، التي تحتوي على بيضة مسلوقة بداخلها والتي يحبها المتلذذون بتقاليد الطبخ الييديشة القديمة; الكينيش الأشكنازي هو كذلك نوع من الكفتة، أو الفطيرة، المغلفة بالبطاطا، هذا وأننا لم نذكر كرات اللحم بالدجاج مع البازلاء، أو كِبَب السمك المغربية.

“كرات اللحم والكفتة والفطائر، على أنواعها، تقدَّم في كل مكان، لكن بوتقة الانصهار الإسرائيلية، إلى جانب فترة التقشف التي أعقبت تأسيس الدولة، جعلت منها أكلة وطنية،” يقول الشيف يائير يوسيفي، الذي أدار مع عومر بن جال، بيسترو “بروت” في تل أبيب، الذي كان يقدّم، قبل إغلاقه، طبق كفتة أنتريكوت. “تاريخيًا، فإن هذا طبق يمكنك “نفخه” من خلال إضافة كميات كبيرة من الخبز والبصل وتعديله وملاءمته لذوق أي شخص يجلس على المائدة: تتبيله وفلفلته أو تقديمه “دلع”، طهيه في الصلصة أو قليه، تقديمه في طبق أو في ساندويش. هل هناك طبق إسرائيلي أكثر من كرة لحم محشية في خبزة؟”.
يقول يوسيفي إن الأساس لهذا الطبق اقتصادي في المقام الأول: يمكنك استخدام لحوم ثمنها معقول والتعويض عن النقص بمكونات أخرى: “لسنا بحاجة إلى الكثير من اللحوم، ويمكنك استخدامها أي شيء متوفر لديك; يمكنك إضافة البصل وعشبة خضراء ما (ليس بالضرورة بقدونس)، أو الكوسا، بقايا الأرز أو خبز بايت”. لكن هناك سبب آخر لشعبية الكفتة وكرات اللحم وهو إمكانية تكيفها مع أي مطبخ أو طعم “يأكلها المغاربة مع الكسكس والصلصة الحارة، بينما يتناولها الرومانيون مع الماماليجا – هي طبق إسرائيلي بامتياز”، يقول يوسفي.
كيف كان رد فعل زبائن مطعم بروت، إذًا، عندما قدِّمَت لهم وجبة كفتة ثمنها 88 شيكل (حوالي 24 دولار)؟ “بتعرف؟”، يقول يوسيفي، “لم يرَ الزبائن بالسعر مشكلة. المشكلة الوحيدة كانت أن على الرغم من انها كفتة مصنوعة من الأنتريكوت مطهوة ببطء في صلصة الطماطم، رأى بها الضيوف طبقًا بسيطًا للغاية، حيث إنهم توقعوا وجبة ما تفاجئهم – لكن كل ما حصلوا عليه كان صحن كفتة. يكون الحل في أماكن أخرى، باستخدام أسماء لامعة و- “مبتَكَرة” وأطباق جانبية وإضافات صغيرة جداً، حتى لا يدرك الزبون أن ما يأكله هو صحن كفتة، وجبة رائعة لا تحتاج إلى أي “تفانين”. لكن من الوارد أن البعض يريدون تناولها في البيت فقط، وعند الذهاب إلى مطعم جورميه، فهم يحتاجون لتسويقها لهم على أنها شيء كبير له قصة، وليس مجرد كفتة.”
بالمقابل، يقول عالم الأنثروبولوجيا، بروف. نير أفيئيلي أن الكفتة، على مشتقاتها، ليست الطبق الوطني الذي يرى به لقبًا مخصصًا لساندويش الشنيتسل. “الحديث عن الوطنية والرغبة بتعريف طبق ما على أنه “وطني” يعني دخول عوالم الأساطير والميثوسات. ما يهم، برأيي، عند الحديث عن الكفتة وتوابعها هو أنها تجسّد الطبخ البيتوتي، التي أصبحت في أيامنا مرادفًا للطعام “المزراحي” (الشرقي)، حيث أن الكفتة التي تقدَّم في المطاعم هي دائما مطهوّة بالصلصة، على الطريقة المزراحية، وليست مقلية على الطريقة الأشكنازية. تقدَّم هذه حارة لينظَر إليها على أنها أصلية، وبالتالي بيتوتية ولذلك طبق وطني” – سواء كانت طبقًا وطنيًا بالفعل أم لا – لا أهمّية لذلك.