لم يسارع الفطر الزعفراني الحليبي الغطاء، المعروف أيضًا باسم فطر الصنوبر الأحمر (Lactarius deliciosus)، بالظهور في شتاء 2018. برفقة أصدقائه من منظمة “شومري هجان” (حراس الحديقة)، خرج د. أرييل أبل، عالم أنثروبولوجيا ومرشد تلقيط، للبحث عن المخلوق الذهبي المختبئ في الظلال في منطقة حيفا. تفرق الملقطون بهدوء، مع السلال بأيديهم والسكاكين في جيوبهم، متقفّين أثر الرطوبة وروائح التراب، وسمعوا صوت خرخشة فجأة. لم يكن هذا خنزيرًا بريًا كما ظنّوا، بل حمودي، عامل في ورشة البناء القريبة، بيده كيس بلاستيكي وبالأخرى سكين. نظراتهم المرتابة تحولت إلى ابتسامة تطورت إلى حديث: أخبره حمودي أنه هو أيضًا جاء بحثًا عن الفطر الزعفراني الحليبي الغطاء، كما تعلم من جده، وقال أن اسمه بالعربي الدارج هو “فطر الصنوبر”، ما يعكس علاقته التكافلية مع شجرة الصنوبر – تساعد ألياف الفطر الشجرة على امتصاص الماء والمعادن، بينما تمنحها الشجرة السكريات في المقابل.
الّي بتعرفه – روح لعنده
محاولة تتبعّ وبحث تقاليد جمع الفطر المحلية تطرح السؤال عمّا جمِع وأدخِل إلى سلال وقدور المجتمعات والثقافات التي تطورت هنا. يقول أبل أن الدروز، على سبيل المثال، “مخلصون” لنوع معين من الفطر، وهو ما تؤكدّه الطاهية الدرزية صفاء إبراهيم من شمال هضبة الجولان، والتي تقول أن أصدقاءها لا يجمعوا سوى فطر بوز العجل (Volvopluteus gloiocephalus). يكشف تعدد الأسماء عن الفجوة بين المعرفة التي تعتمد على الفولكلور وبين تلك التي تعتمد على تعريفات علمية محددة.
د. رامز عيد، عالم أنثروبولوجيا من عيلبون يبحث علاقات سكان منطقة الكرمل الدروز بالدولة، يتحدث أيضًا عن تقاليد جمع وتلقيط مقيّدة. “اعتدت مرافقة جدي ووالدي في جولات تلقيط الفطر ولم نكن نجمع سوى بوز العجل”، ويضيف أن سبب “الإخلاص” لنوع واحد هو الظروف البيئية، “ليست لدينا غابات كثيفة أو أحراش – هنالك كروم زيتون والقليل من الأنواع لذلك “نخلص” لما نعرفه”.
في حين حظيت تقاليد جمع واستخدام الزعتر بتوثيق واسع في الأدبيات والثقافة الفلسطينية، بقي توثيق جمع وتلقيط الفطر شحيحًا. تقول الباحثة د. مزنة بشارة أن هنالك اختلافات كبيرة بين المناطق المختلفة: “في لبنان اعتادوا جمع الكمأة التي كانت شائعة في سوريا في منطقة حلب، وفي الناصرة يبيعون فطرًا طازجًا في الأسواق. لكن ليست هناك تقاليد تلقيط فطر في المثلث”.
تقول د. بشارة إن الفطر كان شائعًا في المطبخ الإقليمي منذ القدم، أنه كان يُسلق ويقدَّم مع الموري (هي صلصة محلية قديمة ذات نكهة عميقة ومركزة تشبه صلصة الصويا) وأن كتب الطهي القديمة كانت تحتوي على وصفات تستخدمه وتميز بين الأنواع المفيدة والأنواع السامّة.

هنالك شهادات قديمة أيضًا على تقاليد جمع فطر الكمأة الصحراوي الذي يعرَف في دول شمال إفريقيا باسم “طرفش”، ورد ذكرها في نص تلمودي يعود تاريخه إلى ما بين القرنين الثالث والسادس للميلاد. نقش عربي من عهد المماليك يعود تاريخه إلى عام 767 هجري (1366 ميلادي)، اكتُشف في الأردن، يصف ممارسة الرعاة المحليين في تلقيط فطر الكمأة، في ما يبدو كلمحة عن أسلوب حياة وظروف معيشة البدو آنذاك. لا يزال هذا الفطر يتمتع بمكانة وصيت مرموقين هنا أيضًا، حيث يجمعه البدو في إسرائيل بين كانون الثاني ونيسان ويبيعونه في سوق بئر السبع، غالبًا لهاوي الطهي ذوي الأصول الشمال أفريقية.
علاقة جديدة مع الأرض
ياتير ساديه، خبير في جمع الفطر والنباتات البرية، يحدثنا عن بلورة وتشكيل سياسات التشجير الصهيونية للمشهد الطبيعي الإسرائيلي وممارسات التلقيط فيه. “سعت الصهيونية لتصميم مناظر طبيعية محلية شبيهة بالمناظر الطبيعية في أوروبا، وزرعت لذلك غابات صنوبر جلبت معها نظامًا بيئيًا جديدًا احتوى على أنواع فطر جديدة مختلفة”، يقول. يشير ساديه في حديثه إلى أشجار الصنوبر التي زرعها الصندوق القومي اليهودي (ككال)، والتي اختيرت لتكيفها السريع مع المناخ وقدرتها على تشكيل غابات وأحراش كثيفة.
ساهمت هذه السياسة في تطوير البلاد وحفظ الأراضي وخلق منظر طبيعي “صهيوني”، لكنها صوحبت بتعقيدات تاريخية وسياسية أيضًا. زُرِع جزء من الغابات على أراضٍ فلسطينية صودرت بعد عام 1948، ما أثار انتقادات وجدلًا عامًا. هذا بالإضافةً إلى إن زراعة أشجار الصنوبر في نظام الزراعة الأحادية (زراعة تعتمد على زرع محصول واحد على مساحة واسعة، مما يضر بالتنوع البيولوجي ويزيد من خطر الإصابة بالأمراض) من شأنها أن تؤثر على النظام البيئي المحلي؛ حيث أنها تحمض التربة، تخنق الأنواع المحلية، وتزيد من خطر الحرائق.

أدت زراعة أشجار الصنوبر إلى بناء علاقة جديدة بين البشر والأرض، يقول ساديه. “المهاجرون من أوروبا الشرقية، الذين التقوا بمنظر طبيعي مألوف، كانوا مزودين بمعرفة واسعة لكن مقتصرة على أنواع محددة وممارسات تقليدية. بالمقابل، اعتاد السكان المحليون جمع عدد محدود من الأنواع، ما كان انعكاسًا لمناخ المنطقة الجاف وكذلك لمحو المشهد الطبيعي المحلي الأصلي”.
يعتقد د. عيد أن تقاليد جمع الفطر القديمة لم تختفِ من المشهد المحلي، لكنها قلَّت نتيجة سيرورات التمدين، التحديث، والرأسمالية التي أبعدت المجتمعات المحلية عن الطبيعة، ويضيف أن العلاقة الوثيقة مع الطبيعة أنتجت في الماضي ثروةً معرفيةً كبيرة، بينما يُنظر إلى التلقيط اليوم على أنه نشاط ترفيهي أكثر من كونه ممارسة عملية لجمع الغذاء.
إلى جانب التفسيرات البيئية، يقول د. عيد إن زراعة غابات الصنوبر في الكرمل على أراضٍ صودرت من سكان الكرمل ليست مجرد تغيير شكلي; “يرى دروز الكرمل بهذه الغابات أحيازًا غريبةً فُرضت عليهم دون موافقتهم”، يقول، ويضيف أن انعدام العلاقة بينهم وبين الطبيعة الجديدة جعل منها شيئًا غريبًا يبعدهم عن تقاليدهم.
على خلاف د. عيد، يرى د. آبل بهذه الغابات مساحة حميمة يصبح التلقيط فيها لقاءً مباشرًا مع العالم. “الغابة هي المكان الذي نلتقي فيه بالطبيعة كما هي عليه”، يقول، لكنه يُقرّ بأنها ليست متاحة للجميع بشكل متساوٍ، “خروجنا إلى الغابة يعني أن لدينا ما يكفي من الوقت ومن الإمكانيات”. لكن ليس الجميع قادرين على أخذ استراحة من الحياة اليومية، ولا يتمتع الجميع بالمعرفة أو مجرد حرية دخول الغابة والبدء في البحث.

كل عام والفطر غير
يولا فيلوجني، التي قدمت إلى إسرائيل من روسيا في السبعينيات، هي رئيسة جمعية الفطر البري في إسرائيل وملقطة تُنظّم جولات تلقيط. تقول فيلوجني أن هناك تفسير آخر بشأن محدودية ثقافة تلقيط الفطر في إسرائيل، وأن الأمر مرتبط بكون معظم أنواع الفطر في إسرائيل مسببة للحساسية. “اعتدنا تلقيط أنواعًا قليلة جدًا آنذاك مقارنةً بالأنواع التي أعرفها الآن”، تقول. عندما بدأت فيلوجني بحثها، لم يكن هناك سوى كتابين عن الفطر باللغة العبرية – واحد لداليا ليفينسون والآخر لنيسان بنياميني، لكنها اكتشفت في العام 2014 موقع “الفطر في إسرائيل” من تأسيس أولغا غودوروفا، بالإضافة إلى مجموعة فيسبوك تشكّلت حوله. مع مرور الوقت، بدأت فيلوجني تنظم جولات تلقيط ازداد عدد المشاركين فيها من عشرات إلى مئات.
في جولة تلقيط نظمتها معنا، أخبرتنا فيلوجني عن ظهور فطريات الغوشنة في جميع أنحاء البلاد، قبل أربع سنوات، على مدى أسبوعين، لكنها بالكاد تواجدت في العام الذي تلا. “تتصرف الفطريات بشكل مختلف كل عام وتروي لنا قصة مختلفة”، تقول، “تتابع الجمعية هذه التغييرات وتدير سجلًا منظمًا. نجمع المعلومات من المجموعات المختلفة على فيسبوك أيضًا”.
نشرت الجمعية “معجمًا” لأنواع الفطريات يحتوي على 99 صورة واسمًا باللغتين العبرية واللاتينية، وتعمل فيلوجني الآن على مشروع بحثي بالتعاون مع كلية الزراعة في الجامعة العبرية لإجراء اختبارات جينية على الفطر البري في إسرائيل. “حظينا العام الماضي بوفرة من الفطر في أشهر الشتاء، لكن الوضع مختلف تمامًا هذا العام لأن الموسم كان حارًا أكثر من المعتاد”، تقول فيلوجني، “لدينا مقياس غير رسمي – كمية الإنسيبات، وهي فطريات سامة لكنها مؤشر مفيد، حيث أن كثرتها تدلّ على أن الظروف ملائمة للفطر الصالح للأكل أيضًا. بالكاد رأينا أي من السيبيات هذا العام، ما يدل على أنه موسم شحيح. من ناحية أخرى، صادفنا بالفعل عددًا قليلًا منها في الغابة – ولعل هذا أول مؤشر على تغيير يبشر بالخير. بالمقابل، قد صادفنا بعضًا منها في الغابة، ما قد يكون مبشرّ خير.”
“شهد العقد الماضي ثورة في مجال التلقيط،” يضيف د. أبِل، “دائمًا جمع الناس الفطر لاستخدامه بشكل شخصي أو لبيعه في السوق، لكننا نشهد اليوم ظاهرة “ملقطين جدد”: أشخاص اكتسبوا مهارات التلقيط ودمجوها في نمط وأسلوب حياة ما بعد-صناعي،” يقول، “شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى ورشات عمل وتدريبات مهنية، ساهمت في خلق مجتمع كامل من مدربي التلقيط الذين يديرون حوارًا مستمرًا معًا. عندما كانت هذه “الموضة” في أوجّها، كان يكفي أن تحملّي صورة فطر على مجموعة على فيسبوك ليتعرفّ أحدهم عليه في غضون دقائق; ومع ذلك، ما زلنا نلاحظ تقاليد التلقيط القديمة – على سبيل المثال، استمر المهاجرن من روسيا بجمع فطر البوليط في إسرائيل أيضًا، رغم أن الظروف تختلف هنا، ما كان ينتهي بزيارة إلى غرفة الطوارئ في الكثير من الأحيان.”
فيلوجني أيضًا تشاركنا بالديناميكية المعقدة بين مجتمع الملقطين في إسرائيل; “يعتقد المهاجرون الروس أنهم يعرفون جميع أنواع الفطر، لكن في الواقع لا يمكنهم التعرف سوى على نوع واحد حتى ثلاثة أنواع، حيث أنهم يعتمدون على المعرفة التي جلبوها معهم من روسيا ويعتقدون أن الفطر المحلي مثل الفطر هناك تمامًا،” تقول وتضيف أن التلقيط في روسيا هو شكل من أشكال الحياة وجزء لا يتجزأ من كل جولة في الغابة. “في الاتحاد السوفييتي تعلمنا ألّا نخرج إلى الغابة دون التزود بسكين”، تقول ضاحكة.
وبالفعل، منحت زيارة الغابات العديد من المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي فرصة حفظ شيء ما من العالم الذي تركوه وراءهم. يقول باشا تشيكين، شيف مطعم رومانو في تل أبيب، والذي هاجر من موسكو في سن الثالثة، أن تلقيط الفطر مع أبيه السكوت كان ما أتاح لهما التقرب أحدهما من الآخر. “أتذكر أن مع حلول الشتاء كل عام، كنا نستيقظ مبكرًا أيام السبت ونتجّه إلى الغابة لقطف الفطر”، يقول تشيكن، “كنا نعود إلى البيت مع سلة مليئة كان يحضرّ مها أبي قلاية فطر وبطاطا بسيطة لكن ولا أشهى”.

من سر دفين إلى أشهر المطاعم
تلقيط الفطر هو عادة قديمة كانت مصدرًا هامًا للبقاء على قيد الحياة، أصبح اليوم وسيلة لحفظ ذكرى ثقافية وإرثًا طعاميًا يتطلب خبرة ومعرفة. تتطلب الفطريات البرية معرفة دقيقة نظرًا لخطورة تناول الأجناس السامة منها، بالإضافة إلى فهم العلاقات الدقيقة التي تجمعها ببيئتها. تتطلب الفطريات الدقة، الصبر، واحترام المنظومة البيئية التي تنمو فيها، ما يجعل من التلقيط ممارسة معقدة تتطلب الكثير من الجهد.
يقول آفي شاليف، من رواد صناعة البيرة في إسرائيل، ومن مؤسسي مطبخة البيرة White Rabbit، أن ما دفع به نحو عالم تلقيط الفطر كان علاقته العميقة بالطبيعة. اعتاد والده اصطحابه للتلقيط في حقول الكيبوتس فيما تحول من هواية إلى حيز من الحرية والمعنى والتواصل. كان الفطر في الماضي سرًا دفينًا احتفظ به الملقطون لأنفسهم، لكنه أصبح اليوم جزءًا من مطبخ الجورميه وأطباق أهم الطهاة. “صدِمت عندما عثرنا على كمية كبيرة من فطر الغوشنة لأول مرة،” يقول شاليف، “لم أعرف أنه يتواجد في البلاد بكميات كبيرة”. أخذ شاليف فطر الغوشنة إلى الشيف عزرا كيديم – ليصل الكنز إلى أعرق المطاعم في إسرائيل: هأحيم، كوتشينا هس 4، كلارو، ومطاعم الشيف إيال شاني.
الفطريات دايما بتلاقي الطريق
رغم شعبيته، إلا أن الفطر في غابات ككال يزداد ندرًا. تظهر الأبحاث أن “سياحة الفطر” (mycotourism) هي ظاهرة عالمية لها عواقب اقتصادية وبيئية، وأن ازديادها، في إسرائيل أيضًا، إلى جانب تغير المناخ، يفعلّ ضغطًا على البيئة. يُحذر شاليف من تأثير التلقيط لأغراض تجارية، لكنه يُشاركنا برسالة إيجابية أيضًا، ويخبرنا إنه، في أحد الأيام، وجد فطر غوشنة في حديقته الخاصة، بجوار مصرف غسالته. “يبدو أن بعض أبواغ الفطر من الغابة التصقت بملابسي، ثم انتقلت إلى الغسالة، ثم إلى شجرة النخيل، التي تتسمّ بثمار غنية بالسكر والدهون – الفطريات دايمًا بتلاقي طريق”، يقول.
تذكرنا هذه القصة بذكاء الطبيعة: الفطريات قادرة على التأقلم، الانتشار ومواجهة أضرار الرش والحرائق حتى. “الطبيعة والبيئة دائما التغير حتى أننا نصبح موزعيها دون أن نلاحظ ذلك حتى”.

يقول د. أبل أن أخلاقيات التلقيط هي بمثابة عقد غير مكتوب بين الإنسان والطبيعة، ويضيف أن مسؤوليتنا تجاه الغابة والمجتمع لا تقل أهمية عن متعة العثور على فطر نادر. يشير أبل أيضًا إلى أن الخطاب الأخلاقي هو في مركز المنشورات على مجموعات التلقيط على فيسبوك: الكمية المسموح تلقيطها، حماية البيئة، وترك ما يكفي للأجيال القادمة. “عند تلقيطك باستخدام سلة، تنشر الأبواغ مع تحركك،” يقول، “وهذا جزء من القصة – أن ندع الطبيعة تواصل عملها”.
في عصرٍ يبدو كل شيء فيه في تفكك، يبدو تلقيط الفطر في إسرائيل كشكلٍ من أشكال المقاومة الهادئة. تُطلق عالمة الأنثروبولوجيا آنا تسينغ على الأمر اسم “فن عيش” حيوي. في كتابها The Mushroom at the End of the World من العام 2015، تتبع تسينغ تقاليد تلقيط فطر الماتسوتاكي – وهو فطر ياباني ثمين ينمو في بيئاتٍ تضررت أو تآكلت جراء الرأسمالية العالمية، حتى يقال إنه كان أول ما نبت في هيروشيما بعد إلقاء القنبلة الذرية عليها. ترى تسينغ بذلك دليلًا على حياة عنيدة تصرّ على الازدهار بين الأنقاض رغم كل شيء.
هنا أيضًا، وسط الأنقاض والدمار، قد يُتيح لنا البحث عن الفطر فرصة العيش مع ما يحيط بنا في بيئتنا; الغابات والبساتين مستمرّة برواية قصتها، وقصتنا أيضًا – كل مل علينا فعله هو الإنصات لها.