تمتزج أصوات حركاتي اليومية بحركاتها هي والأصوات التي كانت تصدرها في البيت الذي ربتنا فيه: أطباق وضِعَت على الشايش لتجف خلال الليل تُؤخذ إلى الخزائن ترتطم بعضها ببعض مصدرة ضجيجًا يخترق النوم الذي كان ما زال يحلق في الأروقة؛ خطواتها المتبوعة بخطى الكلب الذي يلحقها إلى كل مكان؛ أصوات الراديو الممزوجة بصوت طحن البن; إشارات للنائمين ليخرجوا أجسادهم من الأسرّة الدافئة للقاء برد الصباحات المقدسية.

في إحدى المرات التي زرتها فيها، قبل وقت ليس ببعيد، أخبرتها أنني اشتريت عن طريق الخطأ أربع رزم قهوة غير مطحونة، “إطحنيها بمطحنتي، “قالت لي “مع أني طحنت بها الكركم قبل قليل، لكن ليس من الصعب تنظيفها”.
كانت المطحنة آلة صغيرة; أسطوانة من الألومنيوم مطلية باللون الأبيض الفاتح بداخلها محرك صغير يعتلي جزَها العلوي غطاء بلاستيكي رمادي اللون شبه شفاف يكشف عند رفعه عن شفرات معدنية صغيرة تتوسط وعاء ألومنيوم فضي يسكَب البن داخله، بحسب الكمية المرغوب طحنها، ثم تغطَّى مرة أخرى، بحيث تثبت يد واحدة الأسطوانة على سطح العمل وتدفع اليد الأخرى الغطاء البلاستيكي نحو الأسفل، ما يشغل المطحنة دون المخاطرة بإيذاء الإصبع إن تشتت الانتباه أثناء الطحن. عند الانتهاء من الطحن، وهو قرار يعتمد على خبرة مشغل الآلة الذي يحتاج إلى المهارة الكافية لمعرفة الوقت المطلوب للتوصل لحجم حبيبات القهوة المرغوب، يجب طرق الآلة مرتين أو ثلاث على سطح العمل حتى لا ينسكب المسحوق الذي ارتفع عن الشفرات أثناء الطحن عند إزالة الغطاء. أنسى طرق الماكينة أحيانًا وأشعر بالحزن على القهوة المنسكبة هدرًا.
كانت هذه الماكينة، التي لم أرَ مثلها لدى أي شخص آخر، في مطبخ أمي لسنوات. لذلك، عندما اقترحت علي أخذها أخذتها دون تفكير. في ذلك المساء اتصلت بي وقالت “من المهم أن تعرفي أن ماكينة كهذه لا تنظَّف بالماء”.

وجدت بين أغراضها بعد وفاتها أدوات أخرى لتحضير القهوة، من بينها أداة لتحضير قهوة الفلتر، ليس مع قُمْع أوراق ترشيح بل مع مكبس يضغط المصفاة داخل الماء الذي تغلي به القهوة. تذكرت أنها كانت تسكب الماء المغلي على القهوة بعد طحنها وتغطي الوعاء بالغطاء ذي المكبس.
كنت أقول لها، مثلي مثل أي طفلة تريد المشاركة في طقوس الطبخ والخبيز، “أريد أنا أن أضغط! أنا” وكانت تجيبني بنفاذ صبر، “لا تلمسيه الآن; دعيه يقف هكذا، كما هو”، ثم كانت تزيح الأداة جانبًا، بعيدًا عني. ثم كنت، خوفًا من أن تنسى مناداتي، أو أن تفضل أن تقوم بالأمر بنفسها، أنتظر لحظة انشغالها وأدفع المكبس رغم الحظر. كان يجب الضغط على المكبس ببطء حتى لا تخترق الماء المصفاة وتخنق حبيبات القهوة في القاع. لم تكن لدي المهارة، أو المهابة، المطلوبة للتعامل مع القهوة، تلك التي تكتَسَب مع البلوغ ومع تعلم تقدير طعم القهوة الرائع-المر. كانت تغضب مني، من أني “خربت” القهوة; أني هدرت مادة خام بغاية الجودة اقتنتها خصيصًا ومن مكان بعيد ومن غير الممكن اقتناؤها مجددًا الآن; أنها غلت الماء “ع الفاضي”. ثم كانت تتمتم “أليس لديك غرفة تجلسين بها؟ لمَ لا تذهبي لزيارة صديقتك؟ لمَ تزعجيني هنا طوال الوقت؟”
كان المطبخ غرفتها، حِصنها، المكان الوحيد الذي لاقت فيه نفسها. كانت تنعزل فيه عنا أحيانًا لتقوم بأشياء بدت لنا ضرورية كانت
عَنات ريفلين
كان المطبخ غرفتها; حِصنها; المكان الوحيد الذي لاقت فيه نفسها. كانت تنعزل فيه عنا أحيانًا لتقوم بأشياء بدت لنا ضرورية كانت تتيح لها، في الواقع، أن تتجنب القيام بأمور قد لم تكن قادرة على القيام بها بسبب مشاكلها الصحية.
تعلمت منها أن أقف في أركان مخفية في المطبخ وأن أدير ظهري لقلب البيت. أنا وفنجان قهوتي أمام الحائط. أكواعي مركية على الشايش، إلا أني أتظاهر فقط بأني مشغولة; فأنا لا أتحدى نفسي بالطبخ، لأني أعرف أني لن أنجح باسترجاع النكهات ولأني لا أريد أن أخوض اللعبة بأكملها. على عكسها، لا أفعل أنا شيئًا هناك سوى الوقوف; دون جدوى.