בסבוסה של מחניודה
צילום: אמיר מנחם, סטיילינג: גיא כהו

على درب البسبوسة

سواء كانت بسبوسة، هريسة، ريفاني أو نمورة – من الصعب مقاومة كعك السميد المشرّب بالقَطِر. خرجنا في رحلة تتعقّب أثر كعكة السميد ذات عشرات الأسماء والوصفات – من الامبراطورية العثمانية وحتى مطاعم إسرائيل

ناتالي ألز |

شاركت في كتابة التقرير: مزنة بشار

“عمر كعك السميد بعمر القمح المحصود”، يكتب الشيف والمزارع ومؤلف كتب الطبخ هداي عفايم في كتابه “كتاب عن الطعام”، ويضيف أن “لكل شعب يسكن المنطقة الواقعة بين شمال إفريقيا وشمال أوروبا نسخته الخاصة من الكعكة الهشة الطرية. تتفاوت هذه  في حلاوتها لكن جميعها لذيذة مع الشاي – سواء كان اسمها بسبوسة، صفرة، تيشبيشتي أو شمالي. من المعتاد تحضير كعك السميد في بلدان حوض البحر الأبيض مع اللبن أو الحليب، ومع البيض أحيانًا، وتشريب المزيج بالقَطِر.” 

تاريخ حلوى السميد التقليدية عابر للحقبات والثقافات; بساطتها ووفرة المواد الخام لتحضيرها كانت من الأسباب الرئيسية لانتشارها على نطاق واسع، في أشكال وأسماء مختلفة. 

أول حلوى بالسميد

تقول باحثة التوراة د. توفا ديكشتاين أن من الوارد أن حلوى السميد ذكِرَت لأول مرة في سفر حزقيال: “فَتَحَلَّيْتِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلِبَاسُكِ الْكَتَّانُ وَالْبَزُّ وَالْمُطَرَّزُ. وَأَكَلْتِ السَّمِيذَ وَالْعَسَلَ وَالزَّيْتَ، وَجَمُلْتِ جِدّا جِدّا” (حزقيال 16:13). تصف التوراة السميد كمادة ثمينة لأن إنتاجه كان يتطلب عملية غربلة مكثفة ولأنه اعتبَر الجزء الأكثر نقاءً من الطحين وصفته التوراة على أنه “الجزء الأفخم”، وحتى أنه كانت يقدَّم قربانًا. السميد مصنوع من القمح لكنه “يسقط” من مركز حبة القمح في المراحل الأولى من الطحن – بين 3%-5% من حجم الحبة عادة.  

מאמונייה (דייסת סולת סורית)
مأمونية (عصيدة سميد سورية). تصوير: أمير مناحيم، ستايلينغ: جاي كوهن

“كما هو الأمر مع العديد من الأطعمة التي يصعب تحديد أصولها، من غير المعروف ما هو أصل البسبوسة بالضبط – المؤكد هو أن أصلها العربي، حيث أنها شبيهة بالحلويات العربية التقليدية الأخرى التي تشرَّب بالقَطر،” تقول د. ليمور يونجمان، مؤرخة طعام مختصة بالمطبخ العربي وزميلة أبحاث في برنامج زملاء مارتن بوبر في الجامعة العبرية.

وفقًا لما يظهر في “كتاب الطبيخ” الذي صدر في القرن العاشر في بغداد، حضِّرَت الأشكال القديمة من حلوى السميد على شكل عصيدة، أو أنها صنِعَت من سميد مطهي في الدهن، سمنة أو زبدة مصفاة عادة، كان يضاف له القَطِر، العسل والتوابل. أطلِقَت على هذه الأطباق أسماء مختلفة في فترات مختلفة، ومن أشهرها المأمونية الشامية (التي سميت على اسم الخليفة المأمون في القرن العاشر – والتي لا تزال تُحضَّر في منطقتنا اليوم) وحلاوة السميد التركية (Irmik Helvasi)، والتي تشبه الوصفات في الكتاب، من حيث طريقة التحضير والتقديم. 


“إن اتبعنا الفرضية القائلة أن عصيدة السميد هي واحدة من آباء البسبوسة، فإن التغيير الرئيسي الذي طرأ عليها هو في طريقة التحضير. لم تحتوِ الوصفة التاريخية للعصيدة على البيض، على سبيل المثال، ومن المرجح أنه أضيف للوصفة فيما بعد”، تقول د. يونجمان، وتضيف أن كتب الطبخ من العصور الوسطى تحتوي على وصفات لهذه “الآباء” – “في كتاب طبخ سوري من القرن الثالث عشر وفي كتاب طبخ مصري من القرن الرابع عشر نرى وصفات للسميدية، وهي عصيدة سميد كثيفة تحضَّر مع القَطِر. هنالك حلوى من العصور الوسطى أيضًا، كان اسمها بسيسة (لا علاقة لها بالبسيسة التونسية الحديثة)، تشترك مع البسبوسة في التسمية وفي طريقة التحضير: يخلط الطحين أو السميد مع مكونات أخرى (الزيت، الزبدة أو الزبدة المصفاة) دون عجن، ثم تضغَط وتفرَك بين اليدين لإنتاج قوام هش ومتفتت”. 

مصدر كلمة بسبوسة هو الفعل “بس”، أي فرك السميد بالزيت بين اليدين. تحكي الأسطورة عن تاجر مصري عاد إلى بيته ذات يوم ومعه كيس سميد قررت زوجته أن تحضّر منه الحلوى. عندما فاحت رائحة الكعكة اللذيذة المكان، أراد التاجر التعبير عن امتنانه لزوجته التي طلبت منه الانتظار حتى تجهز الكعكة – فأجابها “بس بوسة”. نسخة أخرى من القصة تقول أن الاسم يتطرق لملمس الكعكة الرقيق الذي يشبه في حلاوته ورقّته القبلة.

עוגת סולת מצופה בפיסטוקים עם כמה חתיכות חסרות הריסה נבייכה פיסטוק
هريسة نبكية بالفستق الحلبي. تصوير: أمير مناحيم، ستايلينغ: جاي كوهن

رحلات البسبوسة في الشرق الأوسط

كعكة سميد مخبوزة تشبه البسبوسة التي نعرفها اليوم ذكِرَت لأول مرة في كتاب طبخ مصري من القرن الرابع عشر. يطلق الكتاب على الكعكة اسم فستقية نابلسية – كعكة سميد مصدرها من نابلس مزينة بالفستق الحلبي. انتشرت هذه الكعكة في جميع أنحاء منطقة البحر المتوسط، ووصلت، مع توسع الإمبراطورية العثمانية، إلى اليونان وأوروبا الشرقية ودول البلقان. 

“من بين الطرق التي تنتقل فيها الأطعمة من مكان إلى آخر هي الهجرة – سواء كانت طوعية أو قسرية”، تقول عدي ناميا كوهن، طالبة دكتوراه في قسم التاريخ اليهودي في الجامعة العبرية، “اللذيذ هو ما يصمد، وما ينتقل بين الأجيال هو “ذاكرة الطبق” تليها محاولة ما لإعادة إنتاجه. قد لا نجد المكونات الأصلية في المكان الجديد ونضطر عندها لإجراء التعديلات على الطبق للتكيف مع الموجود”. تقول ناميا كوهن أن من شأن هذا أن يفسر الاختلافات والتغييرات المحلية أو الإقليمية التي تطرأ على الأطباق عند تنقلها. 

“جانب آخر للهجرة هو المحتَّلين أنفسم،” تضيف ناميا كوهن، “في الإمبراطورية العثمانية على سبيل المثال اعتادوا إقامة ولائم كبيرة دائمًا ما كان يبقى منها كميات كبيرة من الطعام. عندها أقاموا المطابخ المشتركة والمؤسسات الخيرية لتقديم ما تبقّى مجانًا، أو لقاء سعر رمزي، المحتاجين. قوّى العثمانيون بهذا صورتهم الجماهيرية كحكام يهتمون بالطبقات الضعيفة”. 

“تبنّى العثمانيون، عندما احتلوا بلاد الشام ومصر في القرن السادس عشر، تقاليد الطعام المحلية وعدلوها لتصبح ما نعرفه اليوم”، تقول د. يونجمان، “وهكذا، نرى أشكالًا مختلفة من كعكة السميد في اليونان وليبيا وعلى طول ساحل البحر المتوسط، المناطق التي كانت تحت حكم عثماني”، تقول وتضيف أنه “المبدأ واحد، لكن ما يتغير هو طرق التحضير والتزيين في البلدان الشامية المختلفة – تتعلق التغييرات في كل بلد بالتفضيلات والأذواق المحلية – لكن مبدأ كعكة السميد المشرَّبة بقي على ما هو عليه”. 

تضيف ناميا كوهين أن النخب والارستقراطيين في الإمبراطورية اعتادوا السفر مع طهاتهم الشخصيين لكنهم اعتادوا توظيف سكان محليين أيضًا، ما سهّل انتشار مأكولات مختلفة على طول المسارات التي كانوا يسلكونها، “كانت هذه طريقة تعلم فيها الجميع من بعضهم البعض،” تقول، “والمكونات المحلية أثرت بالطبع على النكهات وعلى الاختلافات الإقليمية بين الأطباق”. 

שלוש קערות סולת על גבי מגש
سميد: تصوير: أمير مناحيم، ستايلينغ: جاي كوهن

السكر أيضًا انتشر بطريقة مماثلة في القرن التاسع ليصبح مكونًا أساسيًا في صنع الحلويات في الشرق الأوسط. اعتبر السكر في العصور الوسطى رمزًا للمكانة الاجتماعية العالية لسعره المرتفع – حيث لم يستطع تحمّل تكلفته سوى الأغنياء، “كان هناك من استخدم السكر ليعبر عن القوة والثَراء، مثل الحكام في مصر على سبيل المثال،” تقول د. يونجمان، “كان استخدام السكر حكرًا على الطبقات الارستقراطية طوال العصور الوسطى – ولم يصبح أكثر شيوعًا ومتاحًا للطبقات الفقيرة سوى في فترات لاحقة”. 

السمنة أيضًا كانت باهظة الثمن، والسميد نفسه كان يُعتبر من أجود أنواع الطحين. ارتبط السميد في المطبخ العربي بالكرم والضيافة، وعادة ما يقدَّم كعك السميد اليوم على صوانٍ كبيرة في التجمعات والاحتفالات (خاصة حفلات الخطوبة) بعد الإفطار في شهر رمضان، لدى المسلمين، وباحتفالات الفصح وعيد الميلاد لدى أقباط مصر.

اشتهر العثمانيون بحبهم العميق للحلويات التي رأوا بها رمزًا للفرح وحسن الضيافة. لعبت الحلويات دورًا بارزًا في الثقافة العثمانية وكانت دائمًا جزءًا من الاحتفال بالمناسبات والأعياد المهمة مثل رمضان، ولادة مولود جديد، الطهور، الزفاف والجنازات. 

كانت للحلويات قيمة روحانية أيضًا حيث شجع النبي محمد، الذي كان معروفًا بحبه للحلويات والعسل، بتناولها، مؤمنًا أنها تجلب البهجة وتداوي الروح. من الأقوال (غير المؤكدة) المنسوبة إليه: “المؤمن حلو يحب الحلاوة”. 

أدى حضور الحلويات في الحياة اليومية لدى العثمانيين إلى ترقية مستوى إعدادها إلى فن رفيع – خاصة الحلويات المصنوعة من السميد التي انبثقت عنها كعكة السميد التي نعرفها اليوم، والتي يطلَق عليها عادة اسم البسبوسة أو الهريسة. 

רוואני - עוגת סולת יוונית
ريفاني – كعكة سميد يونانية. تصوير: أمير مناحيم. ستايلينغ: جاي كوهن

كعكة الألف إسم

تعرَف كعكة السميد في فلسطين، سوريا ولبنان، باسم الهريسة (“ليس القصد بمعجون الهريسة الأحمر الحار من شمال إفريقيا”، تقول د. يونجمان). يعني اسم الهريسة “مفروم” أو “مطحون”، إشارة لقوام الكعكة المتفتت والهش. يطلق اللبنانيون على الكعكة اسم “نمورة”، تقول الشيف فرح رسلان، من مواليد جنوب لبنان، لأن اللوز الذي يزين سطحها يبدو كالبقع على جلد النمر. تضيف رسلان أن قَطِر النمورة أخّف من القطِر في الهريسة، ما يجعلها أقل حلاوة. 

لكعكة السميد في شمال أفريقيا أسماء مختلفة كالصفرا الليبية والجاتو سمول الجزائرية-الفرنسية. في البلقان، تُسمى الكعكة تيشبيشتي، وفي اليونان تُعرف باسم شمالي أو ريفاني، وهي ترتبط بمدينة فيريا شمال البلاد المشهورة بتحضيرها.

وصلت كعكات السميد إلى غرب البحر المتوسط، أيضًا، أساسًا إلى إيطاليا وإسبانيا، على الأرجح مع الاحتلال الإسلامي لصقلية في إيطاليا، والأندلس في إسبانيا، حيث مرّ كعك السميد بتغييرات مختلفة أضافت له مكونات محلية كاللوز المطحون والريكوتا في منطقة نابولي، وقشر وعصير البرتقال وتوابل أخرى. مع مرور الوقت، نقل الإسبان الكعكة إلى أمريكا الجنوبية أيضًا.

وصلت كعكات السميد إلى غرب البحر المتوسط، أيضًا، أساسًا إلى إيطاليا وإسبانيا، على الأرجح مع الاحتلال الإسلامي لصقلية في إيطاليا، والأندلس في إسبانيا، حيث مرّ كعك السميد بتغييرات مختلفة أضافت له مكونات محلية كاللوز المطحون والريكوتا في منطقة نابولي، وقشر وعصير البرتقال وتوابل أخرى. مع مرور الوقت، نقل الإسبان الكعكة إلى أمريكا الجنوبية أيضًا.

لكل صنف من كعكات السميد اسمًا فريدًا يعكس أصولها الجغرافية وتأثيراتها اللغوية والمذاق المحلي. على سبيل المثال، الدحدح (ومصدرها من الكلمة العربية دحدوح، أي الرجل السمين والممتلئ) هي كعكة سميد غنية محشة بالقرفة، شائعة في منطقة نابلس والخليل; هريسة القزحة، التي قلّما نجدها في المشهد المحلي اليوم، سوداء اللون بفضل إضافة طحينة القزحة إلى السميد، تقدَّم للنفاس للاعتقاد بأنها تساعد في إنتاج حليب الأم; كعكة السميد مع بذور الحِلبة هي من الحلويات الفلسطينية التقليدية، تقدَّم عادة في طقوس الحداد كونها تمثل طبيعة الحياة المرّة-الحلوّة; أما في لبنان، فيقدمون كعكة الصفوف، وهي كعكة سميد صفراء جافة بنكهة الكركم.

“هنالك وصفات عديدة للهريسة السورية والفلسطينية، لكن أصولها ليست معروفة دائمًا”، تقول رسلان. “بالمقابل، هنالك وصفات مصدرها واضح جدًا، مثل الهريسة النبكية، ومصدرها بالنبكي، حلواني من النبك، مدينة تقع في منطقة سلسلة جبال القلمون على الحدود السورية اللبنانية”. تضيف رسلان أن النبكية كانت تباع في محال الحلويات المختلفة في طفولتها وأنها لم تكن تحضَّر في البيت. “لم تكن الوصفات متاحة للجميع مثل اليوم، وكان تحضيرها يتطلّب فرنًا ومعدات خاصة – لذلك اعتدنا تناولها في الخارج فقط”. 

من السهل إيجاد الهريسة، على كافة أصنافها، في البلاد اليوم، بفضل المطبخ الفلسطيني المحلي وبفضل مهاجرين قدِموا إلى البلاد من بلدان البحر المتوسط استحضروا معهم الوصفات المختلفة من مطابخهم الأصلية. 

مطعم ماحنيودا

من التقشف إلى المطاعم الفاخرة

يظهر السميد في الأدبيات العبرية الحديثة في وصفات لتحضير العصائد والكعك. في كتب من الثلاثينيات، مثل كتاب “الاقتصاد المنزلي” و- “كيف نطبخ في أرض إسرائيل“، نجد وصفات لكعكة السميد مع المربى أو كعك سميد بسيط. ظهرت أول وصفة للهريسة باللغة العبرية في كتاب الطبخ “نكهات إسرائيل” من العام 1962 الذي يطلق عليها اسم “حريسة” ويقول أن وصفتها قدِّمَت من ماري كباج من الرملة.

في كتاب ليليان كورنفيلد “الطبخ الصحيح – شرق وغرب”، من العام 1967، تظهر كعكة السميد تحت التصنيف “كعك شرقي”، إلى جانب وصفة للمعمول. تحتوي وصفة كورنفيلد، البسيطة نسبيًا، على السميد، الطحين، مسحوق الخبز، المرجرين، خلاصة الفانيليا أو اللوز، الحليب والمكسرات. 

استعاد كعكة السميد شهرتها في إسرائيل في العام 2009، مع افتتاح مطعم ماحنيودا في سوق ماحاني يهودا في القدس. أوري نافون، شيف وواحد من مالكي المكان، أضاف لقائمة الحلوى في المطعم كعكة بسبوسة مقدسية بحسب وصفة والدته، وهي وصفة عائلية توارثتها الأجيال. 

حقق المطعم نجاحًا فوريًا اجتذب إليه الحشود ممن أرادوا تناول البسبوسة التي كانت تُقدَّم مع بوظة الطحينة. زاد هذا من شعبية البسبوسة التي بدأت تظهر على على قوائم مطاعم أخرى، فاسحة المجال لحلويات سميد أخرى مثل ليالي بيروت وحلاوة الجبن – لتكتمل رحلة كعكة السميد وتعود إلى أصولها ككعكة فخمة للسلطان.