روائح طبايخ بيتية رائعة تفوح من قدور موضوعة على الغاز في ساعة بعد الظهر: كفتة دجاج بمرقة حمراء وحساء خضار طَفَت فيه أقراص كبة مسلوقة. على الطاولة المحاذية، تموضَعَت صحون احتوت سلطة باذنجان ومخللات. جميع هذه الخيرات كانت من إعداد برحيا صباغ من كريات شمونة (التي تعيش منذ أكتوبر في فندق في تل أبيب مع ابنتها وحفيدتيها البالغتين من العمر تسع سنوات) بحلولها ضيفة على مطبخ حايا سالومون، شابة من تل أبيب تعيش في شقة مطبخها صغير لكن مجهز تمامًا. كان اللقاء بينهما، في إطار مشروع أسيف “طبيخ بيت بعيد عن البيت”، واحدًا من لقاءات كثيرة دعِيَ فيها مخلون ومخلَيات من بيوتهم ليحلّوا ضيوفًا على مطابخ عائلات مختلفة في أنحاء البلاد.
كان من الواضح استمتاع برحيا بقدرتها (وأخيرًا!) على طبخ أكل بيت اعتادت تحضيره لأفراد عائلتها في الحياة اليومية التي كانت، ما قبل السابع من أكتوبر. الشيء الوحيد الذي لم تكن راضية عنه كان حجم القدور في مطبخ حايا: “خسارة إنه معندكيش طناجر أكبر عن هيك – كنت بعملّك شوربة أكثر.” عادت هذه النقطة المثيرة على نفسها مرة تلو الأخرى في العديد من اللقاءات التي عقدت في إطار المشروع: غالبًا ما كانت المشاركات تأتين للقاءات حتى يكون بإمكانهن طهي طعام البيت، لكن تناول الطعام نفسه في هذه اللقاءات كان أقل أهمية من سيرورة التحضير والطهي، بل أن الكثيرات منهن اخترن، وأصرّين، على تقديم معظم ما أعددنه للمستضيفين أو الجيران أو طاقم أسيف الذي رافقهن. ليست هذه الظاهرة سوى واحدة من عدة ظواهر تشير إلى أن الطهي وتناول أكل البيت اتخّذ خلال الحرب معانٍ وأدوار أخرى تختلف عما ينسَب إليها عادة. من الصعب بالطبع التطرق للجوانب العاطفية والثقافية للطعام والطهي في وقت يعاني فيه مئات الآلاف في غزة من نقص حاد في الغذاء. لكننا سنركز في هذا المقال على آثار الحرب كما تظهر في إسرائيل.
تتناول عالمة الأنثروبولوجيا ماري دوغلاس الدور المركزي لأكل البيت والوجبات العائلية في تحديد واستكشاف علاقات القوى في العائلة وفي سيرورات الاحتواء والإقصاء التي ترمز لحدود الأسرة والمجتمع. تتحدث الأدبيات المهنية في مجالات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وكذلك مجموعة متنوعة من الدراسات التي أجريت في بلجيكا وإنجلترا والولايات المتحدة وكذلك في إسرائيل (مثل دراسة ياسمين عيناف أهاروني ودافنا هيرش)، عن طعام البيت بكونه طعام يطهَى ويحضَّر من مواد خام أساسية بدافع الحب والاهتمام بمتناوليه ومتناولاته، أفراد العائلة والأصدقاء. يُعتَبَر تحضير أكل البيت واجبًا أموميًا أساسيًا يرتبط بمشاعر الشوق والحنين. إلى جانب هدفه العملي وتلبيته للحاجة الجسدية، أكل البيت مشحون بأدوار عاطفية منها الحاجة لإطعام أفراد العائلة كجزء من التعبير عن قوة العلاقات الأسرية والحاجة لخلق هوية عائلية، الحفاظ عليها وتناقلها بين الأجيال. اجتماعيًا، يمكننا الإشارة إلى تعزيز الروابط داخل الأسرة، وتقوية العلاقات مع الآخرين من خلال الطبخ والأكل المشترك أو العكس – ترسيم الحدود من خلال الحفاظ على قواعد طبخ وأكل تتفرّد بها العائلة.

كالعديد من المفاهيم الأساسية التي بدت لنا مفهومة ضمنًا حتى السابع من أكتوبر، كالأمن الشخصي، أو الحق بعيش حياة “طبيعة” أو مسؤولية الدولة عن أمن مواطنيها – طعام البيت أيضًا يشحَن هذه الأيام بمعانٍ وأدوار وممارسات جديدة سأتناولها في هذا المقال الذي يرتكز على المشاركة في جزء من أنشطة الطهي التي انبثقت عن الحرب، بالإضافة إلى مقابلات ومحادثات غير رسمية أجريتها في الأشهر الأخيرة مع عشرات الطباخين والطباخات.
استحضرت حرب 7 أكتوبر ظواهر طبخ أكل بيت جديدة ومختلفة حدثت خارج حدود الفضاء المنزلي “التقليدي”. بداية، وفي أشهر الحرب الأولى، رأينا موجة تحضير أكل بيت للجنود من قبل أشخاص حضّروا لهم الطعام في بيوتهم. لاحقًا، مع استمرار الحرب، وجِّهَت الأنظار للمخلين الذين حرِموا من إعداد وتناول أكل البيت. مبادرات كثيرة عنِيَت بتخصيص أحياز ساعدتهم على تلبية هذه الحاجة، منها مبادرة “نوبات مطبخ” للمخلين في مطابخ بعض الفنادق التي استضافتهم؛ شاحنة طعام (food truck) مع مطبخ مجهز على مقربة من منطقة فنادق البحر الميت منحت المخليات فيها إمكانية تحضير الطعام والطهي لأنفسهم، ومبادرات مثل مشروع أسيف “طبيخ بيت بعيد عن البيت”. من بين الأمور التي ميَّزَت جميع هذه المشاريع كان أنها كانت بمبادرة أفراد ومنظمات شخصية، في خطوات انبثقت عن أرض الواقع، من الأسفل إلى الأعلى.
قد تبدو هذه الظواهر مختلفة تمامًا عن بعضها البعض، لكن هناك ثلاثة أمور أساسية مشتركة بينها تميزها عن تحضير وتناول الطعام في الأيام العادية: أول هذه الاختلافات هو جمهور الهدف الذي يحضَّر من أجله الطعام. في محادثات أجريتها مع نساء شاركن بتحضير الطعام للجنود، كنّ تشرن إليهم على أنهم “أبناؤنا” (رغم أن لم يسبق لهن أن التقين بهم) مشددات على أن ما كنّ تعدهنّ للجنود كان من الأطعمة التي تحضرنّها لعائلاتهن. بالمثل، أظهرت النساء اللاتي شاركن في مشروع “طبيخ بيت بعيد عن البيت” رغبة قوية بإطعام عائلات المضيفين وأعضاء طاقم أسيف الذين شاركوا في هذه اللقاءات، لدرجة أن الأطباق قد أخضِعَت، في بعض الحالات، لتعديلات مختلفة تتعلق بتفضيلات وأذواق المستضيفين أو القيود المفروضة على غذائهم، كتحضير الأطباق بلا لحوم أو باستخدام طحين خالٍ من الغلوتين، لتصبح العائلات المستضيفة جزءًا من المجموعة المقربة التي تشعر الطاهية بأن من واجبها إطعامها.
اختلاف آخر يمكننا الإشارة إليه، سواء في مشاريع الطبخ للجنود أو في مشروع “طبيخ بيت بعيد عن البيت” وفي مشاريع مماثلة له، وهو مشتَّق من الظروف الميدانية، هو اختراق حدود البيت. أكل البيت الذي أعدّته الطاهيات هو ليس طعامًا يتم تناوله في البيت، بالضرورة، بل طعام نقِل للتوزيع والاستهلاك في مناطق يخدم فيها جنود، أو الفنادق (أو البيوت المستضيفة) التي أقام فيها المخلون. علب البلاستيك التي عبِّئ بها الطعام كانت بمثابة توسيع لحدود البيت، أو “كبسولات بيت” ينضم مستهلكوها بذلك كأعضاء جدد لحضن العائلة.

الفرق الثالث هو تغيير معاني إجراء الطهي نفسه الذي اكتسب، في غضون أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، قيمًا ومعانٍ “علاجية”. هدِفَت المبادرات في الأيام والأسابيع الأولى لإطعام الجنود الذين أبلغوا بأن الجيش لا يزودهم بما يكفي من الطعام، لكن سرعان ما أدرك المشاركون في هذه المبادرات أن الجنود في الميدان يحصلون عادةً على ما يكفي من الطعام لكن عملية الطهي نفسها وإرسال الطعام أصبحت وسيلة للتواصل مع الجنود. هذا بالإضافة إلى أن الطهي نفسه أصبح في حالات كثيرة وسيلة ذات سِمات علاجية على المستوى الشخصي: إما كوسيلة للانشغال أو لاستعادة السيطرة التي سلِبَت عقب أحداث 7 أكتوبر.
نرى هذا أيضًا لدى النساء اللاتي طلبن المشاركة في مشروع “طبيخ بيت بعيد عن البيت” الذي حضّرن فيه مأكولات بيتية، بسيطة عادة: شنيتسل، مطبوخة، سلطة باذنجان، كرات لحم مع المعكرونة بصلصة البندورة، معكرونة مع نقانق، كعكة بسكويت وما شابه. اختارت بعض المشاركات أحيانًا تحضير طعام “عشاء ليلة الجمعة”، كالسمك على الطريقة المغربية، المحاشي، دجاج في الفرن، خبز الحالاه والكعك. على عكس الطهي لتلبية الحاجة الجسدية، نبع طهي المشاركات في المشروع لإشباع حاجة عاطفية أكثر; على سبيل المثال، تقول ميري بن سيمون، من كريات شمونة (التي تعيش مع زوجها منذ 7 أكتوبر في فندق في تل أبيب) “بهمنيش إذا بوكل منه أو لأ، أنا نفسي يا دوب بوكل بس كثير اشتقت للطبِخ!”; شارونا دهان، التي غادرت بيتها في سديروت يوم 7 أكتوبر وتعيش منذئذ مع عائلتها في فندق في تل أبيب، تقول أنها لم تطبخ منذ السبت السوداء، “صح كل العيلة هون مكنكنة ع بعض، بس كثير مشتاقين لأكل البيت وطبيخ البيت”، تقول، وكذلك تامي مويال، التي قالت أنها لم تطبخ منذ سبعين يومًا وأن الطهي (في إطار المشروع) قد حسَّن نفسيتها كثيرًا.
الأصناف الكثيرة والكميات الكبيرة التي حضّرتها معظمهن، إلى جانب الرغبة بمشاركة ما صنعنه مع المضيفات، تدل على حاجتهن الشديدة للعطاء والإطعام. يشير اختيار أصناف محددة، وأسباب اختيارها، إلى أنه نابع عن دوافع عاطفية وليس غذائية. على سبيل المثال، ورق العنب الذي صنعته فاليري حين لأنه يذكرها بالدوالي في حديقة بيتها في الشمال، أو شوربة الجريش والعدس التي حضّرتها سيجال حايك تخليدًا لذكرى والدتها التي توفيت هذا العام.

على الصعيد الشخصي، يبدو أن مصطلح “جاسترو-إموتيفيزم” (gastro-emotivism) – مصطلح يجمع بين الطعام والعاطفة والعلاج الذاتي (تتناوله مقالة رافي غروسغليك ويوليا ليرنر) هو أدَّق ما يصف دور الطعام لدى من يمارس الطهي، سواء لمن يطهو للجنود في مناطق التجمع وفي غزة أو لمن تطهون لأنفسهن ولأطفالهن في إطار مشروع “طبيخ بيت بعيد عن البيت”. على غرار المشاركين في برنامج “Master Chef”، الذي بحثاه غروسغليك وليرنر، فإن الطاهيات في زمن الحرب أيضًا “تقدمن أنفسهن على طبق”، لكن ليس في الفضاء العام ولأغراض تجارية وترفيهية، بل في فضاءات خاصة بهدف الحفاظ على صحتهن النفسية. رغم أن الطهي والإطعام لن يعيدهن أو عائلاتهن إلى بيوتهن (ما تتطلبه إجراءات منظمة وواضحة من الدولة وتقديم حلول طويلة المدى)، إلا أنها تساعدهن بالشعور بالسيطرة وعيش روتين بيتوتي مألوف. من منظور أوسع، فإن توسيع حدود طعام البيت يعبّر عن حاجة الجمهور الإسرائيلي لإعادة بناء الشعور البيتوتي والأمان الشخصي، الذي تضرر بشدة أثناء الحرب، وربما قبلها أيضًا، خلال فترة الاحتجاجات على الانقلاب الحكومي – أو كما قالت لي إحدى النساء: “يا ريت يجمّعنا هذا مع بعض، مثل الطبيخ – كل واحد بحّط إشي وبطلع منه صحن زاكي ومفيد”.
مع ذلك، ورغم كل ما سبق، ليست هذه سوى أفكار أولية. لا شك في أن العلاقة المعقدة بين الطعام والبيت والمجتمع في إسرائيل تمر بتغيرات كبيرة اليوم وما زال من المبكر التنبؤ بما ستبدو عليه هذه الديناميكيات في المستقبل. لم تنتهِ الحرب بعد وما زال المخلين بعيدين عن بيوتهم وما زال المختطفون في الأسر، ويبدو، في الوقت الحاضر، أن المجتمع الإسرائيلي منشغل بالطعام والإطعام كممارسة عزاء عاطفي جراء ما مررنا به في أعقاب 7 أكتوبر. سيكون بإمكاننا إجراء دراسة أكثر شمولية عن الأدوار الجديدة التي يلعبها أكل البيت خاصة، والطعام عامة، في العلاقة بين الطعام والبيت والمجتمع.