“أنا بلعب دورين: دور صاحب “سمير”، مطعم عائلتي العريق في الرملة (والي بلزمني ما أحكيش سياسة ع الشبكات الاجتماعية)، والدور الثاني هو بمطعم “كنعان”، المطعم الي أنا شريك فيه مع عوز دافيد في برلين والي منقدم فيه أكل فيوجن يهودي-فلسطيني-ألماني. ببرلين، كلشي سياسي”، يقول الشيف جليل ضبيط.
“المطعم في برلين هو الدليل إنه في طريق أخرى”، يقول، “أكثر من 120 صحافي من كل العالم عملوا معنا مقابلات; قدرنا نورجي الكل إنه قدرنا نجتاز 7 أكتوبر مع بعض لأنّا شركا من كثير سنين وفي عنا ثقة ببعض. إحنا منعرف إنه الوضع مش مسؤولية الشعب، إنما مسؤولية القيادات”.
مطبخ، تاريخ، وثقافة
ضبيط في “كار” المطاعم أبًا عن جد: جدّه، فائق (أبو فوزي) ضبيط، افتتح مطعمًا في العام 1928 في يافا بقي مفتوحًا حتى الثورة العربية الكبرى في العام 1936. عندها، بعد أن اضطر لإغلاق المطعم، بدأ يعمل طباخاً لدى الجيش البريطاني وانتقل للعيش في الرملة، حيث فتح في العام 1942 مطعمًا على الشارع الرئيسي (الذي كان يسمى آنذاك طريق يافا-القدس) أغلِق في العام 1948، ليعاد افتتاحه من جديد في نهاية الحرب في موقعه الحالي: مبنى تاريخي للحفظ من العصر المملوكي عمره 700 عام، بيت حجري في سقفه أقواس يبدو ككهف قديم ومظلم. “أبوي، سمير، بلّش يشتغل في المطعم لما كان عمره 12 سنة”، يقول ضبيط واصفًا والده كشخص كريم ومضياف، “مكنش المحل مجرد مطعم بنظره، وكان يحب يشارك الزباين بحياته الشخصية ويحكي معهم سياسة. أبوي كان عضو بالحزب الشيوعي ومكنش يطلع كثير من الرملة بس المطعم كان ناجح رغم كلشي. أنا كمان بلشت أشتغل بالمطعم بجيل 12 سنة. كل إخوتي اشتغلوا بالمطعم وبس أنا المفعل الوحيد الي بقي بالكار – هذا أصعب مجال ممكن البني ادم يشتغل فيه”.
يقدم ضبيط في “سمير” مأكولات فلسطينية تقليدية بلمسات شخصية: حمص فول، مسبحة، تبولة، لحوم مشوية، طبخ بيت، محاشي، وغيرها، إلى جانب النبيذ والبيرة. يصف ضبيط مطعمه بثلاث كلمات: “مطبخ، تاريخ وثقافة”. يحتوي المطعم على توثيقات تاريخية من مراحله المختلفة بالإضافة إلى أعمال نحتية للفنان نهاد ضبيط، شقيق جليل، الذي توفي هذا العام جراء نوبة قلبية عن عمر يناهز 56 عاما. “منحكي كثير عن التاريخ مع مجموعات بتيجي لهون بجولات ومنشغل بلايليست موسيقى عربية جديدة بديلة”.

ترعرع جليل ضبيط في الرملة، وعندما كان في الصف الثالث انتقل من مدرسة أهلية كاثوليكية إلى مدرسة حكومية يهودية – منذئذ ومعظم أصدقائه من اليهود، ما أدى إلى تعزيز وتقوية هويته، كما يقول. “أنا جاي من عيلة شيوعية ومش متدينة. إحنا فلسطينيين أكثر من مسيحيين – بحسّ حالي عربي أكثر من مسيحي”، يقول، “عندي كثير ولاد وبنات عم ناشطين سياسيًا وكثير كنا نتجادل ع قصة عرب وفلسطينيين. دايما كانوا يفكروا إنه عشاني تعلمت مع يهود معنديش فخر بكوني عربي – بس بالعكس; هذا خلاني أكون فخور بإني عربي وإسرائيلي وفلسطيني ومسيحي. إذا مكنتش فلسطيني شو بكون؟ بدكو توخذو مني حقي بتعريفي لنفسي؟”
عند حديثه عن أحداث تاريخية، يحرص ضبيط على ذكرها بالسنوات فقط، وليس بالإسم. “بقول التاريخ وبس، ما بقول “حرب الاستقلال” ولا “النكبة”. الي بده يخوض نقاش سياسي بقدرش يجمّل الأمور لأنه الحقيقة بتوجع”، يقول، “الإسرائيليين بحبوا العرب الي بتضامنوا مع الدولة، وعند العرب، الي بتضامن مع الدولة بصير مبعَد. أنا لا هون ولا هون”.
“طول حياتي وأنا عايش بين اليهود. لما بقولولي “واو شو هالعبرانيات إنت عنجد اسرائيلي” كنت بالعاة أرّد “لأني عشت مع يهود طول حياتي” بس بآخر سنتين صرت أجاوب “هاي من تحت راس الاحتلال”، وهاي حقيقة، بس مش الكل بتقبّل هيك إشي، بس بدون الفكاهة السوداء مكنتش بقدر أتعامل مع العنصرية الي بواجهها من جيل زغير”، يقول، “بس أنا هيك بس بالمطعم لما بحكي مع الزباين وجه لوجه لأنه ع الإنترنت الإشي ممكن يطلع عن السيطرة. بالمطعم في ناس بتطفر وفي ناس بتقول “والله مفكرناش بالموضوع”.
“بعد 7 أكتوبر المحل كان مسكر شهرين. مكنش في طعمة أفتح – الشوارع كانت فاضية”. لكن، بعد أن افتتح المطعم من جديد، قام ضبيط بفتح “دكانة سمير” التي يبيع فيها نبيذ وبيرة وأجبان وعرق من الأردن، لبنان ورام الله. “أنا شوي مجنون”، يقول عن نفسه، “في حدا عاقل بفتح مصلحة بفترة حرب؟ أنا بحب أجرب اشياء جديدة وبحب التحديات وأنا مقتنع إنه الدكانة رح تنجح. البني آدمين مخلوقات بتنسى وبتتعود ع كلشي. ومرقنا كثير أشياء عشان نعرف إنه كلشي رح يرجع مثل ما كان بالآخر – بطريقة أو بأخرى”.
يقول ضبيط أن معظم زبائنه ليسوا من رملة. “مش إنه أهل الرملة بقعدوش بالمطاعم، بس أهل الرملة بفضلوا مطاعم ثانية وأنا مش كوشير. الشغل خفّ من ما بلشت الحرب. الناس بدهاش تيجي لأنها بتخاف ولما فتحت من جديد الي أجوا كانوا زبايني المعتادين الي أجوا عشان يدعموا ويساعدوا لأنهم بعرفوا إنه الوضع مش سهل إسا”.

“بـ 7 أكتوبر بلشت أبكي”
يقدم المطعم في برلين مأكولات نباتية-خضرية، إسرائيلية-فلسطينية مع لمسات ألمانية، على سبيل المثال حمص مع فطائر بطاطا ألمانية مقلية. امتد هذا الانسجام والتعايش من الصحن نحو الخارج لكتاب مشترك باللغة الألمانية عمل عليه ضبيط مع شريكه، عوز بن دافيد، على مدى عامين قبل الحرب، يحتوي على قصص ووصفات. صدر الكتاب للبيع في المتاجر وعلى موقع أمازون في تاريخ إشكالي: 15 أكتوبر 2023. “كنا بدنا نأجل بعد ما بلشت الحرب بس الناشر ما وافق لأنه النسخ طلعت بحملة بيع مسبق. الكتاب كان bestseller لمدة ثلاثة أشهر على أمازون ألمانيا بفئة كتب الطبخ”
“بأول يومين عوز كان بوضع يرثى له،” يقول ضبيط، “سكّر المطعم وكان بده يفوت ع غزة ويبيدها. بعدين فهم الأمور وهِدي. كنت أتصل فيه كل نص ساعة وأحكي معه، حتى قبل ما ورجوا الفظائع في غزة. أنا بـ 7 أكتوبر بلشت أبكي لأني فهمت شو رح يصير بغزة.”
“وبعدين حماس قالوا إنه بدهم يعملوا “يوم غضب” وفي هذا اليوم تحديدًا افتتحنا المطعم من جديد ببرلين ورجعنا نشتغل وورجينا الكل إنه إحنا ضد العنف; إنه إحنا مع السلام والتفاهم وتقبل الآخر – هيك ربانّا أبوي”.
“دايما بفكّر إذا أنتقل على برلين أو لأ، بس أنا بديش أكون مهاجر، بفضل أكون لاجئ.”، يقول، “لحد ما يوجهولي مسدس لرأسي ويقولولي “إنقلع من هون”، مثل ما صار بالـ 48، فش ليش أطلع من هون. العالم مش محل هالقد منيح، وإذا إنت بني آدمة بتهتم بالي بصير حواليها – رح تلاقي أشياء عاطلة بكل مكان.”
“خلال الحرب، دعانا الرئيس الألماني لطاولة مستديرة عشان نحكي عن الي بسهّل الشغل مع بعض. عوز دايمًا بقول: “فش حاجة نتعلم كيف نعيش مع بعض – لازم نتذكر كيف نعيش مع بعض”. العرب واليهود دايمًا عاشوا مع بعض، ع مر التاريخ، مرات بشكل أحسن مرات بشكل أسوأ – وكانت فترات كثير مليحة بالحياة جنب المسلمين كمان. بتأمل إنه الشعبين يوخذو حقوقهم ويقدروا يعيشوا مع بعض، مش مهم بأي إطار. فش طريقة ثانية – مجبورين نعترف بآلام ومصايب بعض”