“عمّن انتصرنا في عيد الشفوعوت؟” تساءلت ابنة البروفيسور يشاي روزين يومًا بعد عودتها من الروضة لترسل والدها في رحلة دراسة واستكشاف نتج عنها كتابه “التاريخ السري لأعياد اليهود”. وبالفعل، يختلف عيد الشفوعوت عن باقي الأعياد اليهودية، حيث إنه لا يحتفي بمعجزة أو بحدث تاريخي، لم يحتَفَل به في تاريخ ثابت، ومن غير الواضح ما هو السبب وراء تناول الفطائر ومنتجات الحليب والألبان فيه.
عيد الشفوعوت هو عيد زراعي في الأصل يحتفي ببداية موسم حصاد القمح، المنتج الأهم على المائدة في العهد القديم: “وَتَصْنَعُ لِنَفْسِكَ عِيدَ الأَسَابِيعِ أَبْكَارِ حِصَادِ الْحِنْطَةِ. وَعِيدَ الْجَمْعِ فِي آخِرِ السَّنَةِ” (سفر خروج 34:22). اعتادوا استخدام القمح لصناعة الخبز الذي تحول مع السنين ليصبح كناية عامة للغذاء إجمالًا، كسب العيش، وسد الرمق. واليوم، مع ابتعادنا عن الزراعة، وفي عصر يتوفر فيه القمح طوال أيام العام لا يعني الخبز سوى “النشويات” و- “الجلوتين”. لم يعد لعيد الحصاد أي معنى.
كان عيد الشفوعوت، الذي تطلق عليه التوراة اسم “عيد الأبكار”، ثاني أعياد الحجيج إلى القدس. اعتاد الحجاج في العصور التوراتية إحضار أولى الثمار، أيًا كانت، إلى الهيكل، لكن الحكماء حكموا بأن على الثمار الأولى أن تكون من “الأجناس السبعة” (شفعات هامينيم – الأجناس التي بوركت بها أرض إسرائيل وفقًا لما جاء في التوراة) فقط. بما أن الثمار من هذه الأجناس (عنب، تين، رمان، زيتون، وتمر) كانت تنضج في الصيف والخريف، كان القمح هو المحصول الرئيسي الذي أحضِر إلى الهيكل في هذا العيد، والباقي كان يحضره زوار المعبد، خارج فترة الحجيج، بين عيد الشفوعوت وعيد السوكوت.
وكيف احتفلوا بأعياد الأبكار؟ البيسح (باكورة الشعير)، الشفوعوت (باكورة القمح) والعرش (باكورة الفاكهة)؟ قوافل من المحتفلين من جميع أنحاء البلاد كانت تحج إلى القدس مشيًا، بأيديهم سلال، يغنون ويعزفون على الناي، وفي مقدمتهم ثور قرونه مطلية بالذهب. وعند اقترابهم من القدس كانوا يرسلون رسولًا ليعلن قدومهم فيخرج الكهنة لاستقبالهم ويدخلوهم إلى المدينة بوقار كبيرة حتى يصلوا الهيكل حيث كانوا يقرأون الآيات “أَرَامِيًّا تَائِهًا كَانَ أَبِي، فَانْحَدَرَ إِلَى مِصْرَ…فَالآنَ هأَنَذَا قَدْ أَتَيْتُ بِأَوَّلِ ثَمَرِ الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتَنِي يَا رَبُّ” (سفر تثنية 5-10)، ثم كانوا يسلموا السلال للكهنة الذين كانوا يضعونها على جانب المذبح.
لكن، رغم أهمية القمح، إلا أن حصاد الشعير، العومر، كان الحصاد الأهم بين الاثنين. ينضج الشعير ويحصَد في عيد البيسح، بينما ينضج القمح بعد مرور حوالي خمسين يوم فقط، في الشفوعوت. تحرم التوراة أكل المحاصيل الجديدة بأي شكل من الأشكال، حتى إحضار قربان العومر، قربان الشعير، إلى الهيكل. “فِي غَدِ السَّبْتِ” (لاويين، 23:11). كان هذا التحريم السبب وراء لخلاف حاد بين الفريسيين والصدوقيين: ما هو غد السبت؟ هل هو نهاية عيد الفصح كما زعم الفريسيون (تيار من الحكماء اليهود آمنوا باتّباع شرائع التوراة الشفهية)، أم أنه نهاية السبت الذي يقع أثناء عيد الفصح، كما قال الصدوقيون (من النخبة وعائلات كبار الكهان، آمنوا باتّباع وصايا التوراة المكتوبة فقط).

انتصر الفريسيون وأخيرًا، وبالفعل، يتم الاحتفال بالعومر في نهاية العيد في الحقل الجنوبي، على مقربة من جبل الهيكل. يقول المشناه إن سكان البلدات القريبة من القدس كانوا يتجمعون في الحقل وينتظرون غروب الشمس. عندها، كان يسألهم الكهان ثلاث مرات: “هل غابت الشمس؟” “مع هذا المنجل؟” “أأحصد؟” وكان الجمهور يجيب على كل سؤال “نعم، نعم، نعم” – ثلاث مرات – ليثبتوا للصدوقيين أن الشعب يؤيد الفريسيين.
بعد أن كان الكهان يلوحون بالعومر كما تأمر التوراة، كانوا يحضرونه بالسلال إلى المعبد حيث كانوا يشوونه بالنار، يجففونه، ويضربونه بالعصي لإزالة القشر، ينخلونه ثلاث عشرة مرة ثم يطحنوه ويقدموه قربانًا للرب. تطالب التوراة الجماهير بإحضار محاصيل الحبوب إلى المعبد: “وَإِنْ قَرَّبْتَ تَقْدِمَةَ بَاكُورَاتٍ لِلرَّبِّ، فَفَرِيكًا مَشْوِيًّا بِالنَّارِ. جَرِيشًا سَوِيقًا تُقَرِّبُ تَقْدِمَةَ بَاكُورَاتِكَ” (سفر اللاويين، 2:14).
حلول الربيع
تعني كلمة أفيف (ربيع بالعبرية) في الكتاب المقدس مرحلة نضج الحبوب الخضراء. يقول الحاخام راشي أن مصدر الكلمة من “إيف”، أي شاب. الكرمل هو مرحلة النضج الأولى للحبوب، عندما يصبح من الممكن أكلها، بحيث تكون السنابل خضراء-ذهبية وتكون الحبوب ممتلئة وما تزال رطبة. من غير الممكن صنع الطحين منها بعد، لكن من الممكن أكلها في الحقل، تحميصها، أو صنع الجريش منها. يحافظ التحميص على لونها الأخضر، يبعد عنها الحشرات ويمنحها طعمًا مدخنًا. جاءت التوراة لتساعد الفلاح بحيث لا تجبره على الانتظار للنضج التام للحبوب، وتأخذ الاختلافات الجغرافية أيضًا بعين الاعتبار: إذا كان القمح قد نضج في أريحا على سبيل المثال لكنه ما زال أخضر في الجليل، من الممكن إحضار النوعين إلى الهيكل.
كان الكرمل مادة غذائية مهمة أيضًا. تروي التوراة عن رجل من بعل شليشة أحضر للنبي أليشع ومائة من تلاميذه، في عام قحط “عِشْرِينَ رَغِيفًا مِنْ شَعِيرٍ، وَسَوِيقًا فِي جِرَابِهِ” (سفر الملوك الثاني، 4:42)، وعندها قام أليشع بمعجزة وزاد من الكمية لتكفي مائة من تلاميذه الجياع وأكثر. كانت بعل شليشه قرية على جانب أريحا حيث ينضج القمح مبكرًا قبل نضجه في باقي أنحاء البلاد. يمكننا الافتراض أن موعد حدوث القصة كان بعد عيد الفصح بقليل، عندما أصبح الشعير ملائمًا لتحضير الخبز منه وعندما كان القمح في مرحلة الكرمل من نضوجه.
حتى اليوم، يحضّر السكان العرب في إسرائيل وفي المنطقة طبق الفريكة، قمح أخضر محمّص، بنفس الطريقة التي كانوا يعدونّه بها قيل آلاف السنين. طبخ القمح وهو في هذه المرحلة من نضجه منوط بخسارة مادية لأن الحبوب التي لم تنضج تمامًا هي أخف وزنًا من الناضجة منها. لماذا يطبخون الحبوب الخضراء إذًا ولا ينتظروا حتى تنضج؟

تنضج الفريكة في الربيع، بعد عيد البيسح مباشرة، وتتحول في الشفوعوت إلى قمح. خمسون يومًا يفصل بين البيسح والشفوعوت، أيام العومر، التي تتميز بطقسها المتقلب. يرى الكثير من المزارعين بالربيع موسمًا شاقًا وغير متوقع: حر خماسيني شديد من جهة، يؤدي إلى جفاف القمح إن جاء مبكرًا، ولانكماش حباته; وأيام المطر الأخيرة من جهة أخرى، التي من شأنها أن تخرب السنابل إن هطلت عليها. كان لهذا نتائج هدامة في الحقبة التوراتية لأن انعدام القمح كان يعني المجاعة بالضرورة، ولهذا استخدموا الفريكة كغذاء للطوارئ. هذا واحد من الأسباب وراء كون العومر فترة حِداد تُمنع فيه الاحتفالات: كان غالبية سكان أرض إسرائيل من المزارعين، الذين طالما كانوا قلقين وخائفين خلال هذه الفترة ما صعب عليهم الفرح والاحتفال.
أطلقوا على حبوب الكرمل خلال فترة الهيكل الثاني اسم مليلوت، أي “المفروكة”، حيث تفرَك حبات لإزالة القشر منها، وكانت السبب الأول للانشقاق بين المسيحية واليهودية. يروي العهد الجديد عن يسوع الذي كان يتجول في الحقل ذات يوم سبت مع تلاميذه الذين جاعوا فبدأوا بقطف السنابل لأكل حباتها. احتج الفريسيون على ذلك لأنهم رأوا به انتهاكا للسبت، لكن يسوع أجاب أن الملك داود أيضًا، عندما جاع هو ورفاقه، أكلوا الخبز المقدس في الهيكل في مدينة نوب التوراتية.
اعتاد معظم شعوب المنطقة طهي أطباق مكونة من القمح الأخضر والبقوليات التي تنضج في الموسم إياه، خلال الشفوعوت. اعتاد المينوسيون، خلال احتفالاتهم بالحصاد، تقديم الباليكاريا (خليط من الحبوب والبذور يتكون من القمح والشعير والفول والعدس والدخن) لآلهتهم تعبيرًا عن الامتنان بخير المحاصيل الجديدة، وكانوا يطهونها في بيوتهم طوال الاحتفالات. اعتاد المسيحيون أيضًا تناول الباليكاريا في الخامس من كانون الثاني، أي قبل عيد الغطاس بيوم، وحتى أنهم كانوا يتقاسمونه مع الحيوانات في الحظيرة، وكانت النساء ينثرنه على الأسطح لتأكل منه الطيور. يتناول السامريون، في اليوم الذي يلي عيد الشفوعوت، حساءً مصنوعًا من الفريكة والفول والعدس.
من القمح إلى الألبان والأجبان
يمنح كتاب اليوبيلات (سفر التكوين الصغير) من القرن الثاني قبل الميلاد، لعيد الشفوعوت معنى آخر: الاحتفال بنزول التوراة. تقول البروف. راحيل أليئور إن الكتاب، الذي عثِر على أجزاء منه في كهوف قمران، يعكس التقويم الزمني الصدوقي للكهنة في الهيكل. من الوارد أنهم أرادوا تمييز عيد الشفوعوت عن أعياد الحصاد التي احتفلت بها شعوب المنطقة الأخرى، ومنحه معنى يهوديًا فريدًا. يقال إن التوراة قد أنزِلَت في شهر سيفان (الشهر الذي يحل به عيد الشفوعوت) دون ذكر تاريخ محدد. تبنّى الحكماء اليهود الربط بين نزول التوراة وبين عيد الشفوعوت، ربما لمنح يهود بابل معنى آخر للعيد غير مرتبط بالزراعة في أرض إسرائيل فقط. بدأ يهود فرنسا في القرون الوسطى تناول منتجات الألبان خلال العيد، اتبّاعًا للآية من نشيد الأنشاد: “تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ”، الذي يقول الحكماء أنها تشير إلى التوراة الحلوة كالعسل واللبن. انتشرت العادة من هنا في المجتمعات الأشكنازية فقط، لأن المجتمعات السفاردية لم تربط بين الحليب وبين نزول التوراة.