المطبخ المقدسي-اليهودي في العصر الحديث

الكاتب شميل هولاند يبحث تاثير انماط الهجره, الحداثه وغيرها على تشكيل المطبخ اليهودي في القدس.

By شميل هولاند |

شاهدو: محاضرة شميل هولاند عن المطبخ اليهودي في القدس, والتي جرت في اسيف, في 8 كانون اول 2021, كجزء من يوم اسيف- يوم احداث وفعاليات, التي بحثت معرض”مطبخها:نحاماه ريفلين”

https://vimeo.com/654639488

عندما نسعى لفحص التقاليد في المطبخ المقدسي يجب علينا أولاً توضيح مفهومين: “المطبخ المحليّ” و “المطبخ التقليديّ”. ما هو، إذًا، المطبخ المحليّ؟ هل القصد هو كل ما قام سكان مكان معيّن بأكله وما يأكلونه؟ أو على العكس، هل يصف المطبخ المحليّ الأكل الفريد الذي يميز مكانًا معين؟ هل يحتوي المطبخ المحلي على عناصر مشتركة بين جميع المجموعات المحليّة المختلفة، أم أنه مجموعة من المطابخ التي تتجمع في مكان واحد وتُحدث فيما بينها مجموعة فريدة من التأثيرات المتبادلة؟

إنّ المفهوم مطبخ تقليدي هو مفهوم مُربك. ينبع الالتباس من فهم كلمة “تقليد” كإشارة لمكون ثقافي غير متغير تم الحفاظ عليه بصرامة لأجيال بين مجموعة سكانيّة معينة. هذا التصور غير دقيق. هناك أدلة على العادات المتوارثة من جيل إلى جيل ولكن القليل جدًا من هذه العادات تبقى كما هي؛ يخضع معظمها لتغييرات وتحولات، طفيفة في بعض الأحيان ودراماتيكيّة في أحيان أخرى. هذه القاعدة لا تستثني تقاليد الطهي: فعدد قليل جدًا من الأطعمة وعادات الأكل، إن وجدت، تبقى دون تغيير. تمر بعض المأكولات بتغييرات تطوريّة والأخرى بتغييرات ثوريّة. يتم التعبير عن التغييرات في كل المقاييس: تغييرات في المواد الخام وفي طرق التصنيع. القاعدة الأساسيّة: الاكل هو شيء ديناميكي يتغير باستمرار حسب ظروف المكان والزمان، مع اعتماده على مصادره. لذلك، عندما نتكلم عن الطعام التقليدي فإن السؤال الذي يُسأل هو: تقليدي بأي مقاييس؟

الالسكان اليهود في القدس في العصر الحديث-احداث تاريخيه

الحدث الذي يعتبر مفترق طرق والذي سنبدأ منها هي بداية القرن الـ 19. في هذا الفترة عاش في القدس 9000 مواطنًا، من بينهم 3000 مسيحيين وحوالي 4000 مسلمين. يبلغ عدد الجالية اليهودية في القدس أقل من 2000 نسمة، معظمهم “مستعربون” (كما كان يُطلق على اليهود الذين أتوا من بيئة عربية في ذلك الوقت) وأقلية من السفاراديم؛ انحصر عدد الأشكناز ببضع عشرات. كانت المائة عام بين 1815 واندلاع الحرب العالمية الأولى فترة حاسمة غيرت شكل الجالية اليهودية في القدس: من أقلية صغيرة وهامشية تناضل من أجل بقائها، إلى الطائفة الأكبر في المدينة ورأس الحربة لنموها.

الحدث الذي يشير إلى فترة هجرة طلاب حكيم فيلنا (هاجرا) وتأسيس اليشوف اليهودي الأشكنازي في القدس. يضاف إلى ذلك، أدى الزلزال المميت في صفد عام 1837 إلى تدمير الييشوف اليهوديّ هناك، ونقلت العديد من المجتمعات الحسيدية مقراتها إلى القدس. في المقابل، أتى المهاجرون اليهود من غرب أوروبا- ألمانيا وهولندا- إلى المدينة.

نمت في العقد الثاني من القرن التاسع عشر جاليات السفاراديم. مجموعات صغيرة من المهاجرين- بالأساس مهاجرين من تركيّا، سوريا وشمال أفريقيا من خلفية اقتصاديّة-اجتماعيّة منخفضة – استوطنت في القدس. تعززت هذه الجاليات في عشرينات القرن التاسع عشر، مع قدوم التّجار وتلامذة الحاخاميم من أنسال المطرودين من إسبانيا ومن دول البلقان وتركيّا. وصل في الأربعينات عدد كبير من المهاجرين من شمال أفريقيا، من المغرب بالأساس، وجددوا ما كان يعرف بـ”جاليات الغربيين” (المغاربة).

ما بين السنوات 1840-1880 تضاعف ثلاث مرات الييشوف اليهودي في القدس، وتغيرت النسبة العدديّة بين الجاليات المختلفة: أكثريّة أشكنازيّة صغيرة تميز وكبر مع مرور الوقت. كما حدث تغيير حاسم في نسبة الجالية اليهودية من عموم السكان: في أوائل الثمانينات كانت هناك بالفعل أغلبية يهودية صغيرة في القدس، ونمت بشكل مستمر حتى وصلت إلى حوالي ثلثي السكان في نهاية القرن الماضي.

في عام 1882 بدأت هجرة يهود اليمن وفي التسعينيات وصل اليهود الفرس أيضًا إلى المدينة. وأضيف إلى هؤلاء المهاجرين موجة من هجرة اليهود الأثرياء من بخارى، الذين حاولوا الحفاظ على تفردهم من خلال إنشاء حي منعزل، مع سوق لأبناء الجاليّة. منذ نهاية القرن التاسع عشر، بدأ هجرة المهاجرين من كردستان العراقيّة والفارسيّة (ناش ديدونيم). ازداد معدل الهجرة بعد الحرب العالمية الأولى وأيضاً بعد تحول العراق إلى دولة مستقلة عام 1932. مع قيام الدولة جاءت موجة هجرة أخرى، وقام أغلب المهاجرون بالاستيطان في القدس. فورًا بعد الثورة الروسيّة جاءت إلى القدس موجة كبيرة من المهاجرين من جورجيا.

في الوقت نفسه، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع تعظم مكانة السلطات في القدس، جاءت مجموعات من المهاجرين المسيحيين من روسيا، فرنسا، إنجلترا، ألمانيا والنمسا، الذين احتفظوا بخصائصهم الثقافيّة الأصليّة.

على الرغم من أن السكان المحليين العرب المسلمين أصبحوا أقلية خلال هذه الفترة، إلا أن أعدادهم استمرت في النمو: مع توسع القدس، وجدت قرى بأكملها نفسها محاطة بالمستوطنات الجديدة وقام الفلاحون بالانضمام إليهم والهجرة إلى المدينة من القرى المجاورة.

للتلخيص، كانت وتيرة تطور القدس اليهودية دراماتيكية إلى حد كبير من حيث النطاق، الوتيرة، والانتشار مقارنةً بالمجموعات الأخرى التي تعيش في المدينة. لقد احتل المكان الثاني شعوب الدول الأوروبيّة العظمى- الروس، الفرنسيون، الألمان، والإنجليز- لكن أحياءهم كانت تمثيليّة وكانت بشكل أساسي تستخدم لدواعي السياحة والحج، عدا المستوطنة الألمانيّة التي سكنها سكان ألمان تمبلاريّون. خروج المسلمين من الأسوار وتطور القدس الجديدة المسلمة كانت الأبطأ من بين جميعها. كذلك، انتشر الاستيطان الاسلامي في الشمال والشرق بشكل أساسي، استمر جنوبًا بعد ذلك، بينما توسعت القدس اليهوديّة باتجاه الغرب، بحيث أنه تم تطويق القرى مثل أبو طور، الطور، سلوان، تسور باهر وغيرها من المستوطنات العربية، كما تم تطويق قرى مثل الشيخ جراح ولفتا بالاستيطان اليهودي.

تاثير ثقافات الطبخ على المطبخ المقدسي

جلبت كل مجموعة عرقيّة أتت إلى القدس تقاليدها في الطهي والمأكولات التي تميز مكانها الأصلي؛ انكشفت المدينة على ثقافات طهوية جديدة، بعض منها متشابهة، ومتقاطعة والأخرى مختلفة وغريبة. المواد الخام المتاحة في المكان الجديد تختلف عن موجودات مواد الخام في دول الأصل، وغالبًا أكثر فقرًا.

ضمن المزيج الجديد الذي تكون في المدينة، كان هناك مجموعات مهيمنة تترك بصماتها على المطبخ الناشئ، بينما كانت فنون الطبخ الأخرى تبقى بين جدران البيوت وكان تأثيرها على فنون الطبخ المحليّة أقل.

فنون الطبخ الفاخرة مثل فنون الطبخ الفارسيّة، البخاريّة، اليمنيّة، أو الجورجيّة لا تعتبر من فنون الطبخ المقدسية، ولم تنتج أطعمة أو أُسس طهويّة تُميز المدينة؛ على عكس فنون الطبخ السفاراديّة، الكرديّة وفنون الطبخ الأشكنازيّة القديمة، وكذلك المطبخ الفلسطيني المحليّ. السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا؟ لماذا أثرت تلك ولم تؤثر غيرها؟

من المثير للاهتمام اكتشاف أن ما هو مشترك بين جميع المطابخ اليهودية المرتبطة بمطبخ المقدسي هو أن مقر هذه المجتمعات الرئيسي هو القدس وأنها تُميز المدينة بشكل حصري، وليس فقط في مجال الطعام: الأكراد، المستوطنة القديمة، الستيم (السفاراديم الطُهّر).

خلال القرن التاسع عشر اعتمد المطبخ المقدسي، اليهودي والعربي، على المخزون الزراعي للفلاحين العرب. كانت الأسواق مشتركة. منذ بداية القرن العشرين، مع إقامة البلدات الزراعيّة العبريّة وتبلور الصراع اليهودي-الفلسطيني، بدأ المخزون الزراعي العبري يحتل بشكل تدريجي مكان المخزون الزراعي الفلسطيني التقليدي. سوق محانيه يهودا، الذي بدأ العمل في أواخر القرن التاسع عشر كسوق غير منظم للفلاحين الذين أتوا لبيع منتجاتهم لسكان الأحياء الجديدة خارج الأسوار، تم تأسيسه وتوسعه خلال فترة الانتداب وأصبح السوق اليهودي الرئيسي. الذين يتاجرون هم من اليهود، وهو يعتمد بشكل متزايد على الزراعة العبرية. استخدم السكان المسلمون أسواق المدينة القديمة. كانت عملية الانفصال في القدس أبطأ وأكثر تعقيدًا مما كانت عليه في بقية أنحاء البلاد، بسبب تقاليد طويلة من العيش سويًا، ولكن هنا أيضًّا آلت الأمور إلى انقطاع كامل في عام 1948.

تغيير المواد الخام في المطبخ المقدسي

بذور,بقوليات وخبز

المرتبة الأولى بين الأطعمة تحتلها الحبوب: القمح، الذرة البيضاء (سرغوم) والشعير. كان يتم استخدام الحبوب في صنع الدقيق، وكذلك في صنع الأطعمة “التي سبقت الخبز” مثل: الفريكة، البرغل والجريش. تم استيراد الأرز من مصر واستخدمه الأغنياء بالأساس. كان الدقيق الأبيض نادر جدَّا. في معظم البيوت كان طحن الدقيق يتم بشكل بيتي، وكان يتم في كل ليلة طحن الجزء المطلوب من الدقيق لليوم التالي. قامت العائلات الأكثر ثراءً بالطحن في طواحين كانت تشغلها البهائم. حتى أواخر القرن التاسع عشر فقط ظهرت طواحين البخار، تلتها الطواحين التي تعمل على المحركات الكهربائيّة.

فريكه في مرطبان زجاجي
فريكه. تصوير متان شوفان

كان الخبز الشائع هو الخبز المحلي المسطح (البيتا). بدأت قطع الخبز في الظهور في السبعينيات بمبادرة عائلة برمان (ما أصبح فيما بعد مخبز برمان)، لتلبية احتياجات الحجاج الروس.

كان استخدام البقوليات واسعًا ومتنوعًا: الفول والعدس، كان يتم أكل البازلاء والفاصولياء في مواسمها عندما تكون طريّة وجديدة، كانت تُطهى مع عروقها، أو جافة في باقي أيام السنة. ملك البقوليات هو الحمص بلا منازع، والذي كان يُأكل كحبوب أو كخليط مخلوط بالطحينة. الـ “حملة ملانة”، الحمص الأخضر الطازج المحمص، كان يُباع في مواسمه كوجبة خفيفة في شوارع القدس.

وصلت حبوب الحمص إلى الجاليّات المقدسية أيضًا. في الجاليات الأشكناز كان من المتبع الاحتفال بولادة طفل ذكر بحفل استقبال يقام ليلة السبت بعد الوليمة: “شالوم زخر” أو بالنطق الأشكنازي، “شولام زوخار”. في حفلات الاستقبال تلك كان من المتبع تناول الأربعس (نوع من البازلاء الشرق أوروبيّة التي لا تتفكك أثناء الطهو) كرمز للوفرة والخصوبة بسبب التشابه الصوتي للآية “أكثر من نسلك” (صفر التكوين). نوع البازلاء هذا لا ينمو في أرض إسرائيل لذلك قامت الجاليّة الأشكنازيّة بتبني حبوب الحمص المحليّة (التي يُطلق عليها باليديش أربعس.

حليب ومنتوجات البان

كان الحليب المحلي في الغالب حليب الماعز الذي قام الفلاحون بتزويده. اشترى المستهلك المقدسي حليب الماعز من الراعي يوميًا الذي كان يحلب الماعز أمام المشتري: كان هذا هو السبيل الوحيد لضمان أن الحليب الطازج ومنع تخفيفه في الماء. بشكل عام، كان استهلاك الحليب قليلًا جدا وكان يقدم بالأساس للأولاد وللمرضى.

الصوره من ارشيف تنوفا

كان يتم تحويل كل الحليب الذي تم بيعه تقريبًا إلى منتجات أخرى، بسبب عدم توفر طرق لتبريده وحفظه. كانت تتم أحمضة حليب الماعز إلى لبن، واللبن كان يتم تحويله للبنة، والتي تم تكويرها إلى كرات محفوظة بزيت زيتون. لحفظها لمدة أطول، كان يتم تمليح اللبنة وتجفيفها بالشمس لكرات قاسيّة كالحجر- “كشك”. الزبدة- القشطة- كان تستهلكها العائلات المقتدرة فقط، التي حولوها لزبدة قاموا بتقطريرها لمنع فسادها. بدأ حليب الأبقار في الظهور في القدس عند إنشاء المستعمرة الألمانيّة عام 1870: بنى السكان التمبلاريّون (حركة بروتيستانتيّة) الحظائر وجلبوا معهم الجبنة البيضاء.

في بدايات فترة الانتداب البريطاني زودت الحظائر التمبلاريّة أغلب كميات الحليب في القدس. كان الحليب غاليًا جدا، كان سعره ضعف سعر الحليب في سوريا، مصر والدول الأوروبيّة. بدأت الثورة في سوق الحليب عام 1925، مع إنشاء مزرعة ألبان كبيرة وحديثة في كيبوتس معاليه هحميشا والحظائر في موشاف عطروت وموتسا. أنشأوا معًا معمل الألبان المشترك للعمال، والذي كان يعمل في سوق محانيه يهودا وغير أنماط استهلاك الحليب في الأسواق اليهودية والعربية. اختفى حليب الماعز من طاولات اليهود، وأصبح أكثر ندرة في المطبخ العربي وبقي شائعًا في المطبخ القروي بشكل أساسي.

لحوم

في القرن التاسع عشر، اقتصر استهلاك اللحوم بشكل أساسي على المناسبات الاحتفالية، وكان استهلاكها في أيام الأسبوع محدودًا للغاية. كان أغلب مخزون اللحوم في القدس وفي أرض إسرائيل يعتمد على لحم الضأن. تمت تربية الأبقار، الثيران بالأساس، لاستخدامها كبهائم للعمل. بدأ التغيير في صناعة اللحوم المقدسيّة مع الاستيطان العبري الزراعي الذي أدخل تربية الأبقار، للحليب وللحوم. استمر المجتمع العربي باستهلاك لحوم الضأن. مع الانقطاع بين الوسطين اختفى الحم الضأن من أسواق المقدسية، ولم يعد يظهر إلا في رأس السنة، استعدادًا لوجبات العيد التقليديّة للجاليات الشرقية.

الدواجن

كانت كمية الدجاج المحليّة في إسرائيل قليلة جدًّا وكانت تضع عددًا قليلًا من البيض الصغير، حوالي 80 بالمعدل سنويًّا. لذلك، كانت سعر البيض مرتفعًا جدًا وكان استخدامها ضئيلًا. للحفاظ على البيض دون نظام تبريد كان يتم طمرها في وعاء طيني مملوء بالجير.

بالنسبة للحوم، كانوا يستخدمون بشكل أساسي الدواجن والحمام الذي يتم تربيته في البيوت، أو يشترونها من الفلاحين في السوق. كانت الدواجن مثل الوز والبط نادرة وباهظة الثمن وبدأ استخدامها منذ بداية القرن العشرين، عندما كان الأشكنازيون أبناء الطبقة المتوسطة-العليا يشتهون بعض الشمألتس (زيت الاوز) الأوروبي

الفواكه والخضار

كان نوع الخضار الرئيسي في سلة الطعام المقدسي هو البصل. حتى نهاية القرن التاسع عشر، كانت الخضراوات الموسميّة الوحيدة في القدس تقريبًا من عائلة القرع: الكوسة والخيار. كانت حتى يتم توزيع الخيار للأطفال على اعتباره نوعًا من الحلوة. كان يتم استخدام النباتات البريه التي نبتت في اراضي البور.

بدأت البطاطا في الظهور في أواخر القرن التاسع عشر، في البداية في المطابخ الأشكنازيّة والأوروبيّة، وفيما يلي في المطابخ المقدسيّة. جاءت البندورة أيضًا، الباذنجان والفلفل إلى هنا في نهاية القرن التاسع عشر، مع اليهود السفاراديم من البلقان وتركيا. من المثير للاهتمام أن الأشكنازيين أبناء المستوطنات القديمة امتنعوا عن تناول البندورة التي أطلقوا عليها اسم “تريبعنعر عفل” (تفاح بري)، لقب أحضروه معهم من ليتوانيا.

كروم العنب، الزيتون والتين كانت محاصيل الفاكهة الرئيسيّة. كانت كميات الفواكه الطازجة من العنب والتين أعلى بكثير من الاستهلاك المحلي، واستخدمت غالبيتها لصُنع الفواكه المجففة، عسل العنب والقطين. قامت مجموعات السكان المسيحيّة واليهوديّة بصنع القليل من النبيذ. تم استخدام أوراق العنب للتعبئة وهي طازجة في الموسم، ومجففة، بعد نقعها في الماء، في مواسم السنة الأخرى. كانت بيارات الرمان أيضًّا شائعة جدًّأ. جاءت التمور إلى القدس من أريحا مع الحمضيات، والتي اكتسبت انتشارًا مهمًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كانت الفواكه النفضيّة نادرة جدًّا: تم زرع القليل من المشمش والتفاح في جبال يهوذا، وعدد أقل من الإجاص والخوخ، وارتفع السعر بشكل كبير.

الزيوت

تم استعمال نوعين من الزيوت في المطبخ المحليّ: زيت الزيتون وزيت السمسم. كان زيت الزيتون الأكثر شيوعًا، وزيت السمسم كان يعتبر أفضل وأغلى منه. كان يتم انتاج كليهما في معاصر بسيطة تم تشغيلها اعتمادًا على القوة البشريّة أو البهائم. فيما يخص السكان اليهود، اعتاد المقدسيون القدامى، أعضاء الييشوف القديم، استخدام زيت الزيتون، الذي تم الحصول عليه من الفلاحين العرب في قناني زجاجية مغطاة بقطعة من الجريدة. كان الضليعون يستخدمونه للأكل والتطبيب وتقوية الجسم والنفس.

حل تغيير نوعي في عادات استهلاك الزيت في فترة الانتداب البريطاني، مع إنشاء معمل زيوت صناعيّة حديث لإنتاج الزيوت المكررة من أنواع مختلفة مثل فول الصويا، وعباد الشمس والذرة. استمرت صناعة زيت الزيتون بالوجود في المجتمع العربي فقط، لكنها تضررت من تغلغل الزيت الصناعي. شركة يونيليفر، التي بدأت تسويق وإنتاج المرجرين في إسرائيل تحت العلامة التجارية “بلو باند” في أواخر العشرينات، قلبت الطاولة في كل الأوساط (في الوسط اليهودي على وجه التحديد). اختفت السمنة تماما من الوسط اليهودي وتقلص استخدامها في الوسط العربي.

عند تقسيم المدينة في عام 48 والانقطاع بين السكان العرب واليهود في المدينة من جهة، والإعانات الماليّة للزيوت الصناعيّة من جهة أخرى، اختفى زيت الزيتون وزيت السمسم تمامًا من المطبخ اليهودي. بعد سنة 67 فقط بدأت الطحينة باحتلال مكانة مرموقة في المطبخ الإسرائيلي.

التغييرات في بعض الاطباق المقدسية الشهيره

كوغل

كان الكوغل أهم أكلة من أكلات يوم السبت. مثل العديد من الأشياء الجيدة في اليهودية، وُلد الكوجل بدافع الضرورة: نتيجة للحظر المفروض على الطهي يوم السبت والرغبة في تقديم العجين الساخن. أصل الطبق من المجتمعات الأشكنازية ومن هناك أصبح شائعًا في كل مكان. في الأصل كان الكوغل مصنوعًا من بقايا الخبز وزيت حيواني. وضع في فرن القرميد المجهز يوم الجمعة لخَبز الخبز والحلّة، وتُخبز عن طريق الحرارة المتجمعة فيه حتى اليوم التالي. يتم خبز الكوغل في إناء فخاري خاص لفترة طويلة وعلى نار هادئة. المسافة بين القدر والغطاء محكمة الغلق بغلاف مصنوع من عجين الخبز أو الدقيق والماء. أثناء فترة تواجده بالفرن يتم خبز الغلاف والقدر نفسه يصبح كأنه قدر ضغط مليء بالبخار الذي يمنع الفطيرة المخبوزة من الاحتراق خلال ساعات الخبز الطويلة.

قطعة كوغل قدسي في صحن ابيض
كوغل. تصوير متان شوفان

مع السنوات تغير الطبق وتنوع، وظهرت أنواع عديدة من الكوغل على طاولة يوم السبت: كوغل الشعيريّة، كوغل البطاطا، كوغل مخبوز مع الفواكه وغيرها. كانت التقاليد عند جاليات شرق أوروبا بإعداد عدد من أطباق الكوغل كعدد كتب التوراة التي تتم قراءتها في يوم السبت ذاك (يوم سبت عادي- واحد، يوم سبت أول الشهر-اثنان، ويوم سبت حانوكا التي يبدأ فيها بداية شهر تيفيت- ثلاثة).

منحت الحسيدوت إلى كوغل بعدا من أبعاد القداسة. قام الرابي يتسحاق إزيك صفرين، الرابي من كومرانا، بإعادة تعريف من جديد للتوحيد في كتابه “طاولة الطهارة”: “أكلة واحدة، لشعب واحد، لاله واحد!” وأضاف أيضًّأ:”كل من لا يأكل الكوغل، يجب التحقق من يهوديته…” وأضاف قائلًا: “كوغل لموسى من سيناء”.

كان ملك الكوغلات هو كوغل الشعيريّة الذي صنع من شعيريّة البيض البيتيّة وتم إلصاقها بكميّة كبيرة من البيض. لقد كان حلو ومزين بالتفاح، الزبيب والتوت في مواسمهم.

في بداية القرن التاسع عشرهاجر الكوغل إلى البلاد مع هجرة الحاسيديم وتلاميذ غرا، وتجول في باحات الييشوف القديم.  في هذه المرحلة اضطر الكوغل أن يلائم نفسه للمواد الخام المحليّة: تم استبدال الشعيريّة المصنوعة من البيض بالشعيريّة المصنوعة من الدقيق الرخيص والغني بالنشاء ذو أساس مائي؛ تم استبدال البيض الذي يصعب إيجاده بالكراميل مع الزيت للصق العجين. تم إضافة لمذاق الكوغل الحلو مذاق حار مستوحًا من الجيران السفاراديم والعرب. الفواكه، التي كانت مركبًا مهمًا في الكوغل الصيفي الشرق أوروبي، لم تعد تقريبًا موجودة في السوق الإسرائيلي ولذلك فقد اختفت من الكوغل المقدسي حتى اليوم.

كان يتم دفن الكوغل في فرن الحجر التابع، كل عائلة وقدرها الخاص المميز بإشاراة، وكان يتم اخذها يوم السبت صباحًا بعد الصلاة. منذ فترة الانتداب فصاعدًا، مع تحسن الظروف الاقتصادية، بدأ الكوغل أيضًا في الظهور في يوم السبت في الكنيس. كانت عربات الأطفال التي تحمل الكوغل الساخن الذي خرج لتوه من الفرن مشهدا مألوفا في صباح يوم السبت في القدس حتى الثمانينات القرن العشرين. كان تقطيع الكوغل يتطلب مهارة خاصة ولم يتم تقطيعها باستخدام سكين عادب بل بواسطة خيط الصيد الرفيع. من أواخر الثمانينات فصاعدًا، تم استبدال الكوغل التقليدي بالكوغل المخبوز مسبقًا، مجمد ويتم تقطيعه بمنشار كهربائي وهو مجمد؛ يتم خبزها في قدر، ويتم وضعها على طبق يوم السبت وتقدم مقطعة مسبقًا يوم السبت.

ليكاخ

أحد الأطعمة الإضافيّة التي تم تقديمها في تقديسات يوم السبت في الكنائس اليهوديّة وما يزال يقدم في المباني والأديرة (مدارس التوراة) في ميئاه شعاريم والمنطقة المحيطة هو الليكاخ. إن أصل هذه المعجنات هو من طعام الشرق أوروبي الذي وصل إلى القدس في القرن التاسع عشر: كعكة إسفنجيّة عالية ومنتفخة، غنيّة بالبيض المخفوق، والتي كانت بمثابة معيار لمهارة ربة المنزل من أوروبا الشرقية. مع وصولها إلى البلاد، مرت الكعكة بسيرورة مشابهة للتي مرّ بها الكوغل: تم تقليل كمية البيض والعجينة التي كانت غنية برغوة بياض البيض أصبحت عبارة عن عجينة إسفنجيّة مليئة بالدقيق. الكعكة العاليّة أصبحت كعكة شخصيّة مقننة لشخص واحد، وجبة واحدة لكل شخص. عندما تم توزيع الكعك على الأطفال في القداس في الكنائس اليهودية، كان من المعتاد سؤالهم عما إذا كانوا قد تلقوا بالفعل – “هاست غعكريغط” باللغة اليديشية – للتأكد من أنه لا قدر الله لن يحصل شخص على قطعة إضافيّة. في وقت لاحق أصبحت الكعكة تُعرف باسم “هوست غعكريغط”.

كعكه اسفنجيه على صحن بيج على شرشف مزين باغصان
كعكة ليكاخ. تصوير متان شوفان

فارفلاخ

التحضير البيتي للمعكرونة، من اللوكشن وحتى فارفلعخ كانت شائعة جيدًا في المطبخ اليهودي في شرق أوروبا. في كل مطبخ يهودي كان هناك “لاكشن برعط”- لوح لتقطيع عجينة الشعيريّة والفارفلاخ.

يشهد عن أهمية الفارفلاخ في المطبخ الأشكنازي كتاب الطبخ ب.شفرن “دي ييديشع كوخ إين آلع لعندعر” (المطبخ اليهودي في كل البلدان) الذي تم نشره في وارسو من دار النشر “غاسترأناميع” عام 1930″ لاكشنوفارفلاخ هي الاختبار لمهارة الطهو لسيدة المنزل اليهوديّة. كانت الفتى تحضر نفسها منذ أن كانت في بيت أمها لهذه المهمة”.

على عكس اللوكشن الذي كان يُطهى في كميّة كبيرة من الماء، كان يتم طهو الفارفلاخ مثل الأرز وتم تقديمة مع الكثير من البصل المقلي بزيت الإوز. كان هناك طريقتين تم اعتمادها الفارفلاخ: التقطيع بالسكين أو البرش على المبرشة. كان التقسيم إلى طريقتي تحضير أساسيّة: في المكان الذي جرروه لم يقطعوه، والعكس.

عند أتى أبناء الييشوف القديم للقدس، جلبوا معها الفارفلاخ، وإذ ظهرت مشكلة: الدقيق المحليّ الذي تم طحنه في المطحنة البيتيّة كان خشنًا وكان البيض باهظ الثمن وتم استخدامه بتقشف. وفق القاعدة المعروفة أن الأكل يتم تحضيره مما هو موجود (وليس مما ليس موجودًا)، تم استبدال عجينة المعكرونة بالشعير.

باستيليكوس

يعتبر أبناء الجالية اليهودية-السفاراديّة، حجارة أساس الجاليّة اليهوديّة في القدس، أنفسهم كأنسال مطرودي إسبانيا الذين هاجروا إلى البلاد. الحقيقة التاريخيّة هي أنه في بدايات القرن التاسع عشر كانت الجاليّة صغيرة ومقلصة؛ بدأ نموها الأساسي خلال القرن التاسع عشر، عقب وصول أنسال المطرودين الذي سكنوا في تركيّا والبلقان لمدة بضع مئات السنين. المطبخ الذي جلبه اليهود السفارديم معهم إلى القدس هو مزيج من المطبخ الأيبيري والعثماني: مزيج من تقاليد الطهي التي جلبها الإسبان معهم إلى تركيا والتأثيرات التركيّة، مثل عجينة الفيلو. أصبحت بويوس وبوركيتس- معجنات الفيلو المملوءة بالأجبان والسبانخ الممزوجة بالزبدة المذابة، التي أصلها تركيّا، والتي جاء اسمها من الكلمة التركيّة “بوريك”- جزءًا من مطبخ المهاجرين من إسبانيا. لقد أضافوا إلى البستيليكوس السفارادي- معجنات صغيرة من عجينة مقرمشة محشوة باللحم والصنوبر، واسمها مشتق من الكلمة الاسبانية “باستيل”. أتت كل المعجنات تلك للقدس من تركيا مع المهاجرين السفراديم وقامت بملاءمة نفسها للمواد الخام المحليّة: في البداية اختفت الزبدة التي كانت صعبة المنال واستبدلت بالزيت، واستبدل الأخير مجددًا، في فترة الانتداب، بالمرجرين.

معجنات مالحه صغيره تسمى باستيليكوس مغطاه بالسمسم على ورق خبيز
تصوير:متان شوفان

شوربة كبه كرديه

كردستان هي منطقة جبليّة ومن الصعب عبورها. تزخر المنطقة بالمياه والنباتات في فصلي الربيع والصيف، ولكن في الشتاء تتجمد وتتساقط الثلوج وتصبح معزولة. بسبب الظروف القاسيّة، فإن مخزون اللحوم في كردستان يعتمد على قطعان الأغنام، ولحوم البقر نادرة. في الصيف هناك وفرة من الفواكه والخضروات، وفي الربيع الأعشاب البريّة الصالحة للأكل وفي الخريف الدرنات والجذور. تسمح وفرة الأمطار بزراعة الحبوب دون حاجة للري، لكن الشتاء القارس أجبر السكان على الحفاظ على المحاصيل الصيفيّة لفصل الشتاء. تم تحويل حصاد القمح إلى برغل، حيث يتم طهيه في أحواض ثم تكسيره على الأسطح للتجفيف، سحقه، وحفظه في أكياس جلدية. تم طهو حبوب القمح قبل أن يتلف لتجنب الطهو الطويل وباهظ الثمن في أشهر الشتاء. لقد استخدموا البرغل كأساس في الشتاء للكبة والكفتة على أنواعهما. حتى لحم الضأن الخريفي يتم ذبحه وحفظه لضمان إمداد اللحوم لفصل الشتاء. تم حفظ اللحم داخل ليّة الغنم في جرة فخار، كانت تدفن في حفرمغطاة بالثلج. اللحوم المعلبة تسمى “كاليا”.

كان يتم فرم اللحم بواسطة مدقة واستخدموه لملء مكعبات عجينة البرغل. تم طهو الكبة داخل أحماض مختلفة (الحساء الحامض): حساء الجذور في الشتاء مثل الشمندر واللفت، وكذلك البامية المجففة التي حُفظت من الخريف؛ في الربيع أحماض من أعشاب للأكل بالإضافة إلى خضروات الورقيّة؛ وفي الصيف، أحماض الخضراوات الموسميّة. تم وضع قدور الحساء على موقد فحم من أربعة أحجار.

شوربة كبه في وعاء
كبه حموستا. تصوير متان شوفان

مع وصول المهاجرين الأكراد للقدس تمت ملاءمة أنواع الحساء والكبة لما هو موجود محليًّا. تم استبدال لحم الضأن، اللحم الرئيسي في القرن التاسع عشر، بلحم البقر من المتاجر العبريّة. استخدم المهاجرون الأعشاب التي حصوا عليها من الأسواق العربية ومن أراضي البور في المدينة وحولها في البداية لصنع الحساء. مع الإنقطاع عن الأسواق العربيّة، تحول المهاجرون إلى استخدام الأعشاب التي تم زرعها. الهاون والمدقة الحجريّة من مطحنة اللحم، وتم استبدال فرن الحجارة والفحم بالفتيل (ولاحقًا بريموس) الذي قدمته الوكالة اليهودية للمهاجرين. المواد الخام المُصنعة كمسحوق الحساء ومعجون البندورة التي استبدلت البندورة الطازجة والمعجون الطازج، وعدة أنواع من الحساء التي ارتفعت لتصل لثلاثة حتى أربعة أنواع. أصبح حساء الكبة مرتبطًا مع المطبخ المقدسي وغاز الشعلة الألماني أصبح رمزًا للمطبخ التقليدي.

الخاتمه

المطبخ المقدسي هو مطبخ مهاجرين فيه العديد من المأكولات، جاءت من بلدان مختلفة ومتوافقة مع المواد الخام والتقاليد المحليّة التي كانت تمارس في ذلك الوقت في القدس. جاءت الأطعمة الأكثر ارتباطًا بالمطبخ المقدسي، مثل الكوغل المقدسي، الحساء الكردي والباستيليكوس، إلى المدينة مع المجتمعات المتشابهة في القدس: الأكراد، يهود إسبانيا وشخصيّات الييشوف القديم الأشكنازييون. كل ذلك، والدمج مع المطبخ الفلسطيني المحليّ، أدى إلى نشوء مطبخ محلي رائع- متكامل أعظم من مجموع أجزاءه.


المزيد من مجلة اسيف